العزف على أوتار الماضي، بما يحمله من ربحٍ وخسارة، لم يعد أكثر من سيمفونيةٍ لمجدٍ كان. مجدٌ لا يصلح لإدارة حاضرٍ يئنّ، ولا لصناعة مستقبلٍ يُراد له أن يولد من تحت الركام.
لقد آن الأوان للاعتراف، دون مواربة أو مجاملة، أن الفصائل الفلسطينية — بصيغتها الراهنة وبرامجها السياسية العقيمة — استهلكت فرصها حتى آخرها، كما قال الدكتور ناصر اللحام، بينما يبقى الشعب الفلسطيني وحده هو من يستحق فرصة جديدة تُوهَب له الحياة.
ليس المطلوب شطب التاريخ، بل وضعه في مكانه الطبيعي: ذاكرة نُجلّها ونحترمها، لا عبئًا جاثمًا على صدر القضية. قضيةٌ ظُلمت من الجميع، وتاجر كثيرون بدماء أبنائها، حتى صارت الأجندات أثقل من الوطن، والشعارات أعلى من صراخ الناس.
نحن بحاجة إلى هواءٍ جديد…
هواءٍ ينعش الرئتين، ويضخ أكسجينًا في العقل الفلسطيني، ليقوى على التفكير بعد فشل الجميع وخذلانهم. فبعد أن سقطت الرهانات القديمة، يصبح من المشروع — بل من الواجب — التفكير بولادة مشروع سياسي جديد، يلتقط دروس الماضي، ويعيد ترتيبها في سلة الحاضر، ليصنع مستقبلًا قابلًا للحياة، لا مشروعًا مؤجلًا على قارعة الطريق.
قبل الحرب، كنتُ أُغنّي لأمجاد حركة فتح، تلك الحركة التي لم يُدمّرها الأعداء بقدر ما دمّرها الأصدقاء. أمّا اليوم، فقد فرض الواقع إعادة النظر، والخروج من الصناديق الضيّقة، وتجاوز البراغماتية السياسية العاجزة، نحو عقلٍ سياسيّ يوازن بين القوة الذاتية، والقوة الصديقة، وتعقيدات الإقليم، وتشابكات المصالح العربية والدولية. فهذه — شئنا أم أبينا — هي القوالب التي يُصاغ فيها القرار السياسي.
في هذا السياق، يبرز اسم محمد دحلان.
رجلٌ ستينيّ، شابت خصلات شعره، لكن فكره ما زال متّقدًا، حيًّا، مفعمًا بروح الشباب. في ملامحه قراءة لتجربة قاسية، وفي حضوره وعدٌ بضخ دماء جديدة في الجسد التنظيمي والسياسي. هو لا يبيع أوهامًا، ولا يغازل أحلام اليقظة، بل يطرح — بواقعيةٍ خالية من الزينة — معادلة واضحة:
الحلم القابل للتحقق، أفضل من ألف وهمٍ جميل.
وهنا يتقدّم السؤال المشروع:
هل يوجد مفاجأة قادمة سياسية تثلج قلوبنا؟
فالشباب اليوم يعيشون قلق الزمن؛ يشيبون قبل أوانهم، وتشيخ أفكارهم وهم أحياء، يجلسون على مقاهي الأمس، يلعنون حانوتي الأحلام و يتكئون على عكاكيز الماضي، وينتظرون من يدلّهم على بداية الطريق. ومن هنا، يصبح الرهان على الشباب ليس شعارًا للاستهلاك، بل برنامج عمل، ومفتاح نجاة، وجوهر أي مشروع سياسي قادم.
أما حركة فتح، فلتبقَ قلادةً على الصدر، قريبةً من القلب، شاهدةً على مرحلةٍ مضيئة، لا سجنًا يمنعنا من الخروج إلى الضوء. فربما تكون عودتنا من تحت الركام — كطائر الفينيق — مشروطة بالتحرر من الأطر التي استُنزفت حتى العجز.
النفق المظلم سرق أحلامنا…
فلماذا نستسلم لظلمةٍ ظالمة؟
إلى متى نبقى أسرى السؤال دون فعل؟
وهل نملك الشجاعة لنرسم رؤية تلامس الواقع بدل الهروب منه؟
الخلاصة
إن رؤية المستقبل لا تُقاس بالنوايا، بل بعقولٍ منفتحة تطلّ على نوافذ العالم. فكل فكرة فلسطينية للتحرر، مهما بلغت عدالتها، تحتاج إلى دعمٍ عربي ودولي، كي نعيش — ببساطة — كما تعيش بقية شعوب الأرض.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
محمد دحلان، القائد الفلسطيني المعروف بحنكته وذكائه السياسي، وقائد تيار الإصلاح الديمقراطي داخل حركة فتح… إلى متى يبقى الحراك معلّقًا بزمنٍ مفتوح؟
فكل حراكٍ إن طال، تحوّل — عاجلًا أم آجلًا — إلى تنظيمٍ سياسيّ مستقل.
يا سيّد دحلان،
هل تبقى تجابه الريح محاولاً إصلاح فتح وإنتشالها من خاطفيها ؟
إمّا أن يبقى الإصلاح مرحلة زمنية واضحة بسقفٍ محدد،
وإمّا أن تكون الجرأة على الحسم،
والاتجاه نحو ولادة حزب سياسي جديد،
له هيئة قيادية، ومكتب سياسي،
لا يُعيد إنتاج أخطاء الماضي،
ولا يختطفه الفرد، ولا تُشيّخه الشعارات،
حزبٌ يضع الشباب في صدارة القرار لا في الهامش،
ويقرأ الواقع الإقليمي والدولي كما هو… لا كما نتمناه.
ننتظر مفاجآت تُثلج العقل والقلب والروح المتعبة،
وتضعنا — أخيرًا — على بداية الطريق.
فالوقت لا ينتظر، ورفاق الدرب ينتظرون وضوح برنامج تيار الإصلاح الديمقراطي، برنامجًا يزيل الضباب عن العيون، ويمحو السراب السياسي.
وأخيرًا، إن فشلنا في إصلاح حركة فتح — الآن، وبدون تأخير — فلا نستحقها، ولا نستحق الانتساب إليها.
تصبح الراية عبئًا، والكوفيّة السمراء مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون رمزًا.
كفى تعبًا… كفى هرمًا… إلى متى؟
علّقوا فتح قلادةً على القلب،
وانطلقوا إلى المستقبل بعقلٍ شجاع…
فالوفاء للتاريخ لا يكون بالجمود،
بل بالقدرة على التجدد.