كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن تنفيذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات واسعة لإزالة ركام منازل مدمّرة في مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة، في خطوة تثير تساؤلات جوهرية حول أهداف هذه الأعمال، وما إذا كانت تقتصر على اعتبارات أمنية أم تتجاوزها إلى مخططات أوسع.
وأظهرت الصور الفضائية عالية الدقة، الملتقطة خلال الفترة الممتدة من 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي قبل يومين من بدء وقف إطلاق النار في غزة، وحتى 10 يناير/كانون الثاني الجاري، استمرار عمليات التجريف وإزالة الأنقاض في أحياء مدمّرة، لا سيما في منطقة “البورة” وعلى أطراف شارعي المصريين والنعايمة شمال شرقي بيت حانون.

مساحات مدمّرة وأرقام لافتة
وبحسب القياسات الجغرافية، بلغت المساحة التي أُزيل ركام المنازل منها، إضافة إلى المناطق التي جرى تجريفها، نحو 408 آلاف متر مربع، أي ما يعادل قرابة 100 فدان، فيما قُدّر عدد المنازل التي أُزيل ركامها بنحو 329 منزلًا، إلى جانب منشآت وغرف تعود لمزارعين وممتلكاتهم في منطقة تُعد ذات طابع زراعي.
جرافات عسكرية قرب نقاط تمركز
وبيّنت الصور انتشار جرافات تعمل بين المنازل المدمّرة، في نطاق يضم عدة نقاط تمركز عسكرية إسرائيلية نشطة وغير نشطة، فيما تشير المعطيات إلى أن عمليات إزالة الركام انطلقت من بداية النطاق العمراني لبيت حانون المحاذي للسياج الأمني الفاصل بينها وبين مستوطنات إسرائيلية قريبة من الحدود الشمالية، أبرزها مستوطنة “سديروت”.

تناقض مع الرواية الإسرائيلية الرسمية
وتتعارض هذه المشاهد مع تصريحات سابقة لجيش الاحتلال نقلتها صحيفة “يديعوت أحرونوت”، حول أهداف استخدام جرارات مدنية تعود لمستوطنين في “غلاف غزة” داخل القطاع، حيث زعم الجيش أن الهدف يقتصر على تحسين الرؤية الميدانية عبر إزالة الأعشاب وتسوية الأرض، دون الإشارة إلى إزالة ركام مئات المنازل.
كما نفى جيش الاحتلال أن تكون هذه الأعمال تمهيدًا لاستخدامات زراعية إسرائيلية، رغم أن استخدام أدوات زراعية تعود لمستوطنين داخل قطاع غزة يُعد سابقة هي الأولى منذ عام 2005.

بيت حانون تحت السيطرة الكاملة
وتقع مدينة بيت حانون في أقصى شمالي قطاع غزة ضمن ما يُعرف بـ“المناطق الصفراء” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وقد تعرضت لمستويات غير مسبوقة من الدمار بفعل القصف والتجريف المتواصلين على مدار عامين من الحرب، بما في ذلك خلال فترة وقف إطلاق النار، فيما لم يتمكن سكانها من العودة إليها إلا لفترات قصيرة وبشكل جزئي.
مؤشرات متصاعدة على نوايا استيطانية
وفي السياق ذاته، تزايدت المؤشرات على نوايا استيطانية إسرائيلية في قطاع غزة، حيث تكررت الإشارات إلى بيت حانون في خطابات قادة اليمين المتطرف داخل حكومة بنيامين نتنياهو. ففي يناير/كانون الثاني 2024، وُقّع ما سُمّي “ميثاق النصر وتجديد الاستيطان في قطاع غزة وشمال السامرة”، وتضمّن خرائط تشير إلى نواة استيطانية على أطراف بيت حانون.
وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ناقش وزراء وأعضاء كنيست، خلال زيارة لموقع مطل من مستوطنة “سديروت”، إقامة مستوطنات داخل القطاع، فيما أعلنت جهات استيطانية استعداد مئات العائلات اليهودية للاستيطان فور إتاحة ذلك.
تصريحات رسمية وخطط مستقبلية
كما أدلى وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتصريحات كشف خلالها عن خطة لإنشاء “نوى ناحال” عسكرية زراعية في شمال غزة، معتبرًا إياها بديلًا عن المستوطنات التي أُخليت عام 2005، ومؤكدًا أن إسرائيل “لن تنسحب أبدًا ولن تغادر غزة”.

استمرار التوسّع والسيطرة الميدانية
ويواصل جيش الاحتلال، بالتوازي، عمليات نسف المنازل وتوسيع مناطق سيطرته داخل ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” في قطاع غزة، بما يشمل تسوية آلاف الدونمات والمباني السكنية.
ويُذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار أنهى حرب إبادة جماعية شنتها إسرائيل في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت عامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد فلسطيني ونحو 171 ألف جريح، إضافة إلى دمار واسع طال قرابة 90% من البنية التحتية المدنية، فيما قدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.