من لا يزال يتشكّك، عليه أن يصدّق ترامب
نشر بتاريخ: 2026/01/12 (آخر تحديث: 2026/01/12 الساعة: 19:24)

حين كشف رئيس أميركا دونالد ترامب، نواياه بشأن الاستيلاء على قناة بنما، وجزيرة غرينلاند الدنماركية، وضمّ كندا لبلاده، وطرد نحو 25 مليون مهاجر غير شرعي، حين ذاك اعتقد الكثيرون، أنّ الأمر لا يتعدّى الـ»شو» الإعلامي الاستعراضي الذي يجيد صناعته حول شخصيته غير المتوقّعة.

البعض اعتقد، أيضاً، أنّ إطلاق هذه التصريحات الغريبة والراديكالية ليس أكثر من أوهام وأحلام الشعور بطغيان القوّة، إلى أن تمّ قبل نهاية العام المنصرم، إقرار والإعلان عن إستراتيجية الأمن القومي الأميركي حتى نهاية العام 2027.

ولكن ما إن انتهى العام المنصرم، حتى بدأ ترامب الخطوة الدراماتيكية الثانية عبر عملية الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بطريقة الخطف المافيوي له ولزوجته سيليا فلوريس من مقر إقامتهما في بلدهما، بعد أن كان استولى على قناة بنما التي تشكّل إحدى أهمّ الممرّات المائية للتجارة العالمية في محاولة ناجحة للحدّ من النشاط التجاري والاقتصادي والنفوذ الصيني.

الأهداف أصبحت أكثر وضوحاً، ولا تحتمل المزيد من التحليل والتخيّل والذرائع جاهزة، وقائمة الاستهدافات، أيضاً، أصبحت على الطاولة.

لا حقّ ولا مجال لأيّ قوّة دولية أن تواصل نشاطاتها التجارية والاقتصادية في الحديقة الخلفية لأميركا، إنها ملكيّة حصريّة، وهي التي ستتحكّم في كلّ ما يتعلّق بمصالح الدول الأخرى مع دول أميركا اللاتينية.

بعد أن رفع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو سقف التحدّي أدرك أنّه لا يستطيع المواصلة، وإلّا فإن أميركا جادّة جدّاً في تكرار المشهد الذي وقع في فنزويلا بما في ذلك استخدام القوة.

ربّما أدرك بيترو أنّ القوّتين الدوليتين المنافستين روسيا أو الصين، اللتين كانتا على تحالف مع مادورو، ولم تتحرّكا لإنقاذه، وإنقاذ بلاده، لن تتحركا لإنقاذ أو تقديم مساعدة فاعلة لكولومبيا، ولذلك فإن الأفضل أن ينحني أمام العاصفة الهوجاء إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لهجة التهديد انتقلت للتركيز على غرينلاند، لأسباب تتعلّق بالأمن القومي الأميركي في القطب الشمالي، وليس بتهريب المخدّرات، أو المهاجرين، لكن الأمر، أيضاً، يتعلّق بالثروات التي تختزنها الجزيرة.

وبغضّ النظر عن المناورة الأميركية التي تستخدم العصا والجزرة حول إذا ما كان الأمر يتعلّق بالاستئجار أو الشراء، أو بعمل عسكري سافر، فإن أميركا تتّجه نحو تحقيق هدف السيطرة على الجزيرة، وقطع الطريق على روسيا والصين من الوصول إلى هذه المنطقة الحسّاسة.

ثمّ يعود ترامب ويُذكّر من بِهِ صَمَم أنه لن يتخلّى عن ضمّ كندا لتكون الولاية الـ51 لأميركا، ولكن وكأنّه بينما يُركّز على غرينلاند، وإيران، يرغب في لفت الانتباه إلى أنه يؤجّل فقط، ولا ينسى موضوع كندا.

إيران التي يشتعل فيها الوضع الداخلي لأسباب تتعلّق بثقل الأعباء التي تركها الحصار والعقوبات على الإيرانيين، وأيضاً بعوامل تدخُّل وتحريض خارجي، هي الآن في أوّل الأولويات.

يجري النقاش في أوساط السياسة الأميركية، حول كيفية التعامل مع إيران، وليس حول مبدأ التدخّل الجراحي، لإسقاط النظام الإيراني، فيما ترتفع حرارة الشعور بالخطر لدى المسؤولين الإيرانيين.

هذا يعني أنّ المنطقة ليست خارج حسابات السياسة الأميركية، فمن اعتقد أن ترامب يطلق ألعاباً ناريّة، عليه أن يدرك أن أميركا لا تريد شراكات، وأنها ماضية في الاستحواذ على مصادر الطاقة العالمية، ما قد يدفعها في وقت لاحق، لأن تعمل على تغيير معادلة التعامل مع دول النفط العربية.

الدولة العبرية تتحفّز لشنّ ضربة قاصمة لإيران بزعم استعادة بناء قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي، بما يشكّل تهديداً وجودياً ينبغي التخلّص منه. الفرصة متاحة لدولة الاحتلال، بعد التهديدات التي أطلقها ترامب وكرّر إطلاقها، بأن أميركا ستتدخّل لحماية المتظاهرين الإيرانيين إذا تعرّضوا للقتل، والحال أنّ أعداد القتلى تتزايد من المتظاهرين، ومن قوّات الأمن الإيرانية، ما يعني أن المواجهة حتميّة.

على العرب أن يتذكّروا أن ترامب كان قد أعلن مرّة، في خضّم تصريحاته الكثيرة، أنه يريد أن تحصل السفن الأميركية التجارية والعسكرية على الإعفاء من الرسوم عَبر قناة السويس المصرية، ما يجري في اليمن، والقرن الإفريقي، والسودان، والبحر الأحمر لا يمكن أن يخرج من اهتمامات السياسة الأميركية، حيث يوجد بعض من أهمّ الممرّات التجارية الحيوية.

ويبدو أنّ لا رادّ لهذا التسارع الأميركي، الذي ينطوي على تقسيم للنفوذ، بين القوى العظمى، فهو قد أعطى الصين الضوء الأخضر للتعامل مع تايوان، وكان أعطى روسيا الضوء الأخضر للتعامل مع أوكرانيا بعد أن حصل على صفقة كبيرة تتعلّق بالمعادن الثمينة من فولودومير زيلينسكي، وأيضاً كأنه يشير إلى روسيا بأنّ أوروبا قد تكون مجالها الحيوي.

النظام العالمي أصبح متقادماً ولا يصلح لتلبية رغبات واحتياجات ومصالح الدول العظمى.

يعلن ترامب أنّ الأمم المتحدة لم تعد صالحة بقوانينها ومؤسّساتها وآليات عملها، وأنّ القانون الأميركي هو السائد المعمول به، وهذا، أيضاً، مرهون بالأخلاقيات الشخصية لترامب.

ويستكمل بالإعلان عن الانسحاب من 66 منظمة ومؤسّسة دولية نصفها من الأمم المتحدة بعد أن انسحبت بلاده من مؤسّسات مهمّة سابقاً.

العالم يتغيّر وتتغيّر القواعد والقيم والمؤسّسات الجمعية والمصالح، لكن العرب لم يُدرِكُوا بعد مكانتهم في هذا العالم المتغيّر.