سعر صرف الدولار- شيكل : هل تتحول القوة إلى عبء؟
نشر بتاريخ: 2026/01/28 (آخر تحديث: 2026/01/28 الساعة: 20:07)

ما يجري في أسواق الصرف العالمية خلال الفترة الأخيرة لا يمكن اختزاله في تذبذب تقني أو حركة مضاربية عابرة، بل يعكس تحوّلاً تقوده السياسة قبل الاقتصاد؛ الدولار الأمريكي يتراجع أمام سلة العملات الرئيسية في لحظة حساسة، ليس فقط بفعل بيانات تضخم أو فائدة، بل نتيجة رغبة سياسية صريحة عبّر عنها دونالد ترامب مراراً، تقوم على إضعاف الدولار كأداة لتحفيز الصادرات الأمريكية وإعادة توطين الصناعة، هذه الرغبة لم تبق في إطار الخطاب، بل ترجمت بتصريحات مباشرة تمس استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وصولاً إلى فتح تحقيق مع رئيسه، ما شكّل ضربة معنوية لأحد أهم أعمدة الثقة في النظام النقدي العالمي، وفتح الباب أمام موجة بيع واسعة للدولار.

الأرقام تعكس ذلك بوضوح؛ مؤشر الدولار أمام سلة العملات انخفض بنحو 9 إلى 10% خلال عام 2025، وواصل ضعفه مع مطلع 2026 ليصل إلى أدنى مستوياته منذ قرابة أربع سنوات، هذا التراجع لم يكن معزولاً، بل انعكس مباشرة على العملات المقابلة، وكان الشيكل الإسرائيلي من أبرز المستفيدين؛ فخلال أقل من عام، انتقل سعر صرف الدولار من نطاق 3.75–3.85 شيكل إلى مستويات تقارب 3.05–3.15 شيكل، أي تعزيز في قيمة الشيكل يتراوح بين 15 و20 % خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، هذه القفزة لا تعبّر فقط عن تحسن في أساسيات الاقتصاد الإسرائيلي، بل تعكس قبل ذلك هشاشة الدولار سياسياً وتراجع الثقة به كعملة مرجعية مستقرة.

غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بسبب قوة الشيكل، بل بقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمّلها؛ فالإقتصاد الإسرائيلي يعتبر اقتصاداً صغيراً مفتوحاً، يعتمد بشكل بنيوي على الصادرات، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والخدمات المسعّرة بالدولار، فحجم الصادرات الإسرائيلية السنوية يقدّر بنحو 160 إلى 170 مليار دولار، ما يجعل سعر الصرف عنصراً حاسماً في التنافسية، إحصائيًا؛ كل ارتفاع بنسبة 10 % في قيمة الشيكل يؤدي إلى تراجع تنافسية الصادرات بنحو 5 إلى 8 % وفق مرونة الطلب السعرية، ومع ارتفاع فعلي يقارب 15 %، فإن الخسارة المحتملة في عائدات الصادرات تتراوح بين 12 و20 مليار دولار سنويًا؛ هذه الخسارة لا تظهر دفعة واحدة، بل تتراكم بهدوء عبر تآكل الهوامش الربحية، تأجيل الاستثمارات، وتراجع التوظيف في القطاعات الإنتاجية، الشيكل القوي لا يدمّر الصادرات بضربة واحدة، بل يخنقها تدريجياً دون أي ضجيج سياسي.

في المقابل، تستفيد إسرائيل على صعيد الواردات؛ فحجم الواردات السنوية يتراوح بين 90 و100 مليار دولار، تشمل الطاقة، المواد الخام، المعدات، والتكنولوجيا، وتحسّن سعر الصرف بنسبة 15 % يعني انخفاض كلفة الواردات بالقيمة المحلية بما يقارب 13 إلى 15 مليار دولار، هذا الانخفاض ينعكس مباشرة في خفض تكاليف الإنتاج، تقليص التضخم المستورد، وتعزيز القوة الشرائية للمستهلك، ظاهريًا؛ تبدو المعادلة متوازنة تقريباً رقمياً، إذ تقارب مكاسب الواردات خسائر الصادرات، لكن هذا التوازن مضلل اقتصاديًا؛ الصادرات تولّد نمو، وظائف، واستثمارات طويلة الأجل، بينما الواردات الرخيصة تعزّز الاستهلاك فقط، دون بناء قاعدة إنتاجية مستدامة!

من هنا، تصبح قوة الشيكل سيفاً ذا حدّين؛ فعلى المدى القصير؛ تمنح استقراراً نقدياً، تضغط على التضخم نزولاً، وتخفف العبء عن المستهلك، لكنها على المدى المتوسط؛ تهدد النمو الحقيقي؛ وبنك إسرائيل يدرك هذه المعادلة جيداً. تاريخياً، تُعتبر مستويات دون 3.10 شيكل للدولار منطقة ضغط على النشاط الاقتصادي، بينما الاقتراب من 3.00 شيكل يشكّل خطاً أحمر غير معلن، التدخل في هذه الحالة لا يكون دفاعاً عن سعر صرف بحد ذاته، بل حماية للصادرات ومنع انكماش صناعي يصعب احتواؤه لاحقاً.

المرحلة المقبلة مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات؛ الأول: استمرار ضعف الدولار في ظل ضغط سياسي أمريكي متواصل، ما يعني بقاء الشيكل قوياً مع تدخّلاً إسرائيلياً محدوداً أو تدريجياً. الثاني : تدخّل مباشر لبنك إسرائيل عبر شراء الدولار أو توجيه رسائل لفظية للأسواق لكبح الارتفاع دون إحداث صدمة. الثالث: انعكاس مفاجئ في السياسة الأمريكية يعيد للدولار بعض قوته، ما يؤدي إلى تراجع الشيكل تلقائياً دون حاجة لتدخل.

من وجهة نظري، ووفق المعطيات التاريخية والرقمية، أرجح استمرار ضعف الدولار عالمياً بفعل ضغط سياسي أمريكي مقصود، يقابله تدخّل إسرائيلي محسوب لكبح قوة الشيكل قبل تحوّلها إلى عبء اقتصادي، لأن الرهان على انعكاس سريع في السياسة الأمريكية ضعيف الاحتمال، إذ تُظهر التجربة التاريخية أن فترات إضعاف الدولار تمتد لسنوات لا لأشهر، كما أن العجز التجاري الأمريكي الذي يتجاوز 900 مليار دولار يجعل الدولار القوي خياراً سياسياً مكلفًا، في المقابل، ترك الشيكل دون تدخل ليس واقعياً، فتدخل بنك إسرائيل التدريجي والهادئ هو الخيار الأرجح تاريخياً وعملياً، ليس دفاعاً عن رقم محدد، بل حماية للنمو ومنعاً لانكماش تصديري قد تتحول كلفته من مؤقتة إلى هيكلية.