محمد دحلان.. الفارس الذي تنتظره غزة
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 21:01)

منذ طفولتي كان صوت موج البحر يهمس لي حتى أغفو، ويوقظني فجراً لأحلّق في فضاءات الحلم. كنت أبتسم وأذعن لرغبته، وأحادثه كما تُحادث الطفلة لعبتها المفضلة، فلا ينتهي حديثنا إلا حين يتسلل صوت بائع الكعك إلى أزقة المخيم، فينتشلني من شرودي الجميل إلى صخب النهار.

أبتسم، وأبدأ صباحي بين ضجيج الناس وحكايات البيوت المتلاصقة، ثم أعود مع المغيب إلى صديقي القديم. كنت أراقب البحر وهو يبتلع الشمس كل مساء، ثم تعود لتشرق من جديد، وكأنها تعلن انتصارها اليومي على العتمة، وتهمس لنا بأن الظلام مهما طال ليس سوى ممرٍ مؤقت نحو نورٍ أكثر إشراقاً.

لكن الممر طال كثيراً.

جاءت الحرب، وامتلأت البلاد بالرماد، واختلط صوت الموج بأصوات القذائف، حتى غلب ضجيج الموت همسات البحر. تاهت الطرق التي كنت أعرفها، ولم أعد تلك الطفلة التي تركض خلف أحلامها الصغيرة. صرتُ أمّاً تحمل على كتفيها هموم أطفالها، وتبحث وسط الخراب عن نافذة تطل على الحياة.

وحين ضاقت بي السبل، وصار البحر عاجزاً عن حمل رسائلي، بدأت أبحث عن وجهٍ بشري يحمل الطمأنينة ذاتها التي كان يمنحني إياها الموج. بحثت عن فارسٍ يأخذ بيدي ويقودني بعيداً عن هذا الركام، نحو شواطئ طفولتي التي ما زالت تسكنني رغم كل شيء.

وفي زحمة الحرب، رسمتُ في مخيلتي صورة ذلك الفارس؛ إنساناً وسياسياً ومقاتلاً سابقاً، يحمل في قلبه ما يكفي من الإصرار ليؤمن بأن الأوطان لا تموت، وأن الشعوب المنهكة تستحق فرصة جديدة للحياة.

ثم التقيتُ به في تفاصيل الأيام، وفي الحكايات التي كانت تتردد بين الناس، فوجدتني أرى فيه ما يشبه طوق النجاة. ورأيته يأخذ بيدي وسط الركام، ويمنحني ألواناً لم أكن أملكها يوماً، ويرسم لأطفالي خطوطاً دافئة لحياةٍ أقل قسوة، حياةٍ نتشبث بها رغم كل ما يحيط بنا من موت وخوف.

وكأننا نتمثل قول محمود درويش:

"ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً..."

ومع كل لونٍ كان ينثره في ممراتي المثقلة، شعرت بروحي تستعيد شيئاً من قدرتها على الحلم. لم يعد الأمر مجرد إعجابٍ بشخص، بل تعلقاً بفكرة الخلاص نفسها؛ فكرة أن ثمة من لا يزال يرى المستقبل ممكناً، رغم كل هذا الخراب.

وحين منحتُ ذلك الفارس وجهاً واسماً، وجدته يحمل اسم محمد دحلان الاسم الذي كنت أراه يطلّ من بين ركام الحرب كلما أوشكتُ أن أفقد إيماني بالغد.

لم يكن بالنسبة لي عبوراً عابراً في زمنٍ مثقل بالفقد، بل صار أشبه بوطنٍ صغير احتميت به حين ضاقت الأرض بما رحبت. كأن جذور روحي امتدت نحو ذلك الأمل الذي يمثله، فلم أعد أرى الشروق إلا بوصفه وعداً جديداً بالحياة، ولم أعد أسمع صوت الموج إلا وهو يحمل إليّ بشارة العودة.

تعلقتُ بذلك الأمل كما يتعلق الغريق بخشبة نجاة، وتعلقت به روحي كظلٍ لا يفارق صاحبه. وكأن كل المعارك التي خضتها ضد الخوف والعتمة لم تكن إلا محاولة للبقاء، ولأقول في النهاية إننا، رغم كل شيء، ما زلنا هنا... باقون، وللحياة مستحقون.

وسأظل أنتظر كما كنت أنتظر شمس البحر في طفولتي؛ مؤمنةً أن النور مهما تأخر، لا يخذل الذين أحبوه.

فهل سأراك؟