عندما تعجز المفاوضات غزة تستغيث برحمة الله.. ياعدلًا لا يظلم عبدًا يا حكيمًا في القضاء نسألك اللطف فينا يا رب السماء
نشر بتاريخ: 2026/06/17 (آخر تحديث: 2026/06/17 الساعة: 22:14)

في غزة... كأن الزمن توقف عند مشهد أمٍ تجمع أشلاء أطفالها من بين الحجارة، وطفلٍ يفتش بين الأنقاض عن أبيه، وصديقٍ يجلس على أطلال منزله فيما لا يزال أفراد من عائلته تحت الركام ينتظرون من ينتشلهم أو يودعهم الوداع الأخير.

وفي عائلتي كما آلاف العائلات الفلسطينية، أبناء عمي مضى على فقدانهم أكثر من عامين، نعلم أنهم ارتقوا شهداء، لكننا لم ندفنهم، ولم يلقِ أطفالهم عليهم نظرة الوداع الأخيرة، فما زالت أسماؤهم عالقة في قوائم المفقودين التي تطول يومًا بعد يوم.

وأمي بجانب الخيمة تحاول إشعال النار لإعداد ما تيسر من الطعام، بينما يبحث أبي بين الأنقاض عن بعض الحطب.

أما جيراني في المخيم، فلكل منهم حكايته الخاصة مع الوجع؛ هذا يبحث عن الماء، وذاك عن الدواء، وآخر يحاول تأمين لقمة تسد جوع أطفاله. الجميع لا يسعى إلى حياة كريمة، بل إلى الحد الأدنى من مقومات البقاء.

مشاهد القصف والنزوح والموت والجوع والانتظار أصبحت تفاصيل يومية مألوفة، حتى بات الألم جزءًا من الروتين.

هنا تتسع دائرة المعاناة، وتضيق أفق الحلول، فبين خيام أنهكها برد الشتاء، ثم لفحها حر الصيف، ثم تعاقبت عليها الفصول القاسية دون أن يتغير الواقع، تحولت الأرواح إلى أحمال مثقلة بالخسارات والخذلان والانتظار.

لا كهرباء تبدد عتمة الليل، ولا غاز يخفف مشقة إعداد الطعام، ولا مياه تصل بسهولة إلى العطشى. ولا وقود ولا دواء ولا ولا.. .

الخيمة التي كانت ملاذًا مؤقتًا تحولت إلى واقع قاسٍ يفرض نفسه على أكثر من مليون نازح، وسط ظروف إنسانية تزداد سوءًا وتعقيدا بينما تتآكل القدرة على الاحتمال يومًا بعد يوم.

اقول هنا لم يعد أهل غزة الكرام يحلمون بالكثير، بل يتمنون فقط أن يمر يومٌ واحد دون قصف، وليلة واحدة دون خوف، وخبرًا واحدًا يعيد إلى قلوبهم شيئًا من الأمل بالعودة الى ديارهم او بيتا يأوي صغارهم.

ففي الوقت الذي تتعثر فيه جولات التفاوض، يبقى المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر وحيدًا في مواجهة الجوع والعطش والحر الخوف والبرد والقوارض والحشرات، لكنه ما زال متشبثًا بإيمانه بأن بعد العسر يسرًا، وأن رحمة الله أوسع من كل هذا الوجع.

في لقاء الفصائل الأخير، كان النازحون يترقبون خبرًا يشفي قلوبهم، أو أملًا يبدد شيئًا من معاناتهم الطويلة

توجهت الأنظار نحو القاهرة، كما توجهت إليها مرات كثيرة من قبل، لكن المشهد تكرر من جديد؛ بيانات عابرة، وعقبات، وخلافات، ثم عودة إلى نقطة الصفر

عاد الإحباط ليخيم على وجوه آلاف العائلات التي كانت تتعلق بأي بارقة أمل تنهي هذا الكابوس الممتد. فكل جولة حوار فاشلة لا تعني مجرد تعثر سياسي، بل تعني مزيدًا من الألم والقهر والمعاناة

وقبل القاهرة كانت لقاءات في قطر وتركيا والإمارات، وتحركات واتصالات لا تنتهي وبين الخيام كان الناس يتساءلون: هل يأتي الحل من هنا أم من هناك؟

هل تحمله إيران؟ أم لبنان؟ أم إدارة ترامب؟ أم أي قوة دولية قادرة على وقف هذه المأساة؟

وهل مفتاح الفرج والأمل بيد محمد دحلان؟

أين السلطة الفلسطينية او منظمة التحرير؟

ربما السعودية عند الحرمين الشريفين؟ أم البحرين؟ أم الدوحة؟ أم أصحاب شعار "وحدة الساحات"؟

أسئلة تتزاحم في عقول المنهكين الذين لم يعودوا يبحثون عن التحليلات السياسية بقدر ما يبحثون عن نهاية لهذا العذاب.

فمن يستطيع لجم الفرعون الأكبر نتنياهو؟ من يوقف آلة الحرب وينقذنا من هذا الجنون؟

تزدحم الشاشات بالأخبار والتوقعات لكن سرعان ما تتراجع الأسماء، وتتلاشى التوقعات، وتتسقط كل الرهانات الأرضية، وتتبدد الوعود، وتتعب القلوب من الانتظار، ولكن

لا يبقى سوى باب واحد لا يُغلق.

هنا، في ظلام الخيام، وبين دموع الأمهات وأنين المرضى وعيون الأطفال المعلقة بالمجهول، ترتفع الأكف إلى السماء قائلة:

يا عدلًا لا يظلم عبدًا، يا حكيمًا في القضاء، نسألك اللطف فينا يارب السماء.

اللهم يا واسع الرحمة، يا عظيم المنّة، كن لأهل غزة عونًا ونصيرًا، واحفظهم بعينك التي لا تنام.

ربنا إنّا نستودعك غزة وأهلها، أرضها وسماءها، بيوتها وخيامها، فاحفظها بحفظك، واكتب لها الأمن والسلام والطمأنينة، إنك على كل شيء قدير.