تقرير - شهد حاتم جندية:
مع اقتراب ساعات المساء، تتجه عشرات العائلات نحو شاطئ البحر في قطاع غزة. أطفال يركضون على الرمال، وشباب يجلسون قرب الأمواج، وأسر تحاول أن تقتنص لحظات هدوء نادرة بعيداً عن ضجيج الخيام ومشاهد الدمار التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.
بالنسبة للكثير من سكان القطاع، لم يعد البحر مجرد مكان للتنزه، بل تحول إلى مساحة للهروب المؤقت من ضغوط الحرب وأعباء النزوح والواقع المعيشي الصعب.
تقول أم خالد، التي تحرص على اصطحاب أطفالها إلى البحر كلما سنحت الفرصة:
"عندما نأتي إلى هنا أشعر أن أطفالي يستعيدون جزءاً من طفولتهم. داخل الخيمة يقضون معظم الوقت في مساحة ضيقة، أما هنا فيستطيعون اللعب والجري ونسيان ما عاشوه ولو لساعات قليلة."
وتضيف:
"نحن لا نملك الكثير من الخيارات للترفيه أو تغيير الأجواء. البحر أصبح المكان الوحيد الذي نشعر فيه بشيء من الراحة والحرية."
على امتداد الشاطئ، تتشابه القصص وتختلف التفاصيل. فكل عائلة تحمل معها حكاية من النزوح أو الفقد أو المعاناة، لكنها تشترك في البحث عن لحظة هدوء وسط واقع مثقل بالأزمات.
الطفل يوسف، البالغ من العمر أحد عشر عاماً، يقول وهو يراقب الأمواج:
"أحب البحر لأنه يجعلني أنسى الخوف. عندما ألعب هنا أشعر أنني سعيد."
ويرى مختصون أن هذه المساحات المفتوحة تلعب دوراً مهماً في التخفيف من الضغوط النفسية التي يعيشها السكان، خاصة الأطفال الذين تأثروا بشكل مباشر بالأحداث التي شهدها القطاع.
من جانبه، يقول الأخصائي النفسي الدكتور محمد النجار:
"الجلوس قرب البحر أو قضاء وقت في أماكن مفتوحة يساعد على تخفيف التوتر والضغط النفسي. الطبيعة بشكل عام تمنح الإنسان شعوراً بالهدوء، وهذا الأمر مهم جداً للأشخاص الذين مروا بتجارب صعبة أو يعيشون ظروفاً استثنائية."
ويضيف:
"الأطفال بشكل خاص يحتاجون إلى مساحات آمنة للعب والتعبير عن أنفسهم، لأن النشاطات الترفيهية تساهم في تحسين حالتهم النفسية وتخفيف آثار الصدمات التي تعرضوا لها."
ورغم أن البحر لا يغير الواقع المعيشي ولا ينهي المعاناة، إلا أنه يمنح السكان فرصة لالتقاط أنفاسهم واستعادة جزء من طاقتهم النفسية لمواجهة تحديات الحياة اليومية.
ومع غروب الشمس، تبدأ العائلات بالعودة إلى خيامها ومراكز إيوائها، حاملة معها بعض الذكريات الجميلة التي صنعتها خلال ساعات قليلة على الشاطئ.
ويبقى البحر بالنسبة للكثير من الغزيين أكثر من مجرد مكان؛ فهو نافذة مفتوحة على الأمل، ومساحة صغيرة يشعرون فيها بأن الحياة ما زالت قادرة على الاستمرار رغم كل الظروف.