ارتفاع وتيرة حرب الإبادة… في خدمة الاستيطان
نشر بتاريخ: 2026/07/16 (آخر تحديث: 2026/07/16 الساعة: 15:38)

من اللافت خلال الأسابيع الأخيرة تصاعد وتيرة الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، وارتفاع أعداد الشهداء جراء القصف المكثف الذي يطال مختلف أنحاء القطاع، وذلك رغم مرور نحو تسعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، تتفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة، في ظل تعثر مفاوضات القاهرة بشأن نزع سلاح حركة حماس والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.

كل ليلة في غزة تتكرر المأساة ذاتها. اتصال هاتفي لا يتجاوز دقيقة يُقدَّم بوصفه “تحذيراً”، لكنه في الواقع يعني أن عشرات العائلات ستغادر منازلها مذعورة، لتتحول خلال لحظات إلى نازحين بلا مأوى، يفترشون ما تبقى من مساحات ضيقة ويحملون ما استطاعوا حمله من متاع. ثم يأتي القصف، ويُدمَّر المنزل، وكأن تلك الدقيقة تكفي لإنقاذ الأرواح أو حفظ الكرامة أو توفير مأوى لمن شُرّدوا.

وفي المقابل، لم تتمكن حركة حماس من التقاط الفرصة لوقف شلال الدم وسحب الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لمواصلة حربها. ويتيح استمرار الجمود في المفاوضات للحكومة الإسرائيلية المضي في تنفيذ أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها تثبيت السيطرة العسكرية على قطاع غزة، وتوسيع ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، والبقاء في شمال القطاع، وصولاً إلى التمهيد لإقامة مستوطنات جديدة، وهي أهداف لم تعد تقتصر على تسريبات أو تكهنات، بل باتت تظهر بوضوح في تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين.

وفي هذا السياق، نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن وزير الأمن يسرائيل كاتس قوله إن المرحلة المقبلة في قطاع غزة ستتحدد وفق مدى التزام حركة حماس بتعهدها بنزع السلاح والتفكك، مضيفاً أنه إذا تبين أن الحركة لم تنفذ هذا الالتزام، فإن إسرائيل ستنتقل إلى خطوات ميدانية جديدة تشمل “مناورة جغرافية” وعملية عسكرية مباشرة.

وقال كاتس: “قد نصل إلى مرحلة يتضح فيها أن حماس لم تلتزم بتعهدها بالتفكك، وعندها ستكون هناك أيضاً مناورة جغرافية، وكذلك عملية حركية.” ويفهم من هذا التصريح أن المقصود بـ”المناورة الجغرافية” هو توسيع السيطرة الإسرائيلية على مناطق إضافية داخل قطاع غزة، بالتوازي مع عمليات عسكرية تستهدف الحركة.

وربط محللو القناة بين هذه التصريحات وبين خطة إقامة ثلاث نوى استيطانية تابعة لـ”الناحال” في شمال قطاع غزة، معتبرين أن الإعلان عن عدم التزام حماس بشروط نزع السلاح قد يشكل نقطة الانتقال من مرحلة التهديد إلى تنفيذ خطوات عملية على الأرض، تشمل توسيع السيطرة العسكرية وإطلاق مشروع هذه النوى.

وقال المراسل العسكري هليل بيتون روزن إن القناة كانت قد كشفت قبل نحو ستة أشهر عن فكرة إقامة ثلاث نوى في شمال غزة، موضحاً أنه لا يستطيع الجزم بأن الخطة تحولت إلى قرار نهائي، لكنها ما تزال مطروحة على المستوى السياسي، وأن احتمال اتخاذ خطوات أولية قبل الانتخابات بات قائماً. ورجح أن تسعى الحكومة إلى تسويق هذه الخطوة باعتبارها إنجازاً انتخابياً إذا تعذر إعلان القضاء الكامل على حماس أو فرض نزع سلاحها.

وتعكس هذه التقديرات، الصادرة عن محللين في القناة 14 المعروفة بقربها من اليمين الإسرائيلي ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قراءة تتجاوز البعد العسكري، إذ تربط بين استمرار الضغط على حماس للقبول بنزع السلاح وبين توظيف هذا الملف في الحملة الانتخابية. كما تتقاطع مع أهداف وزير المالية ورئيس حزب “الصهيونية الدينية” بتسلئيل سموتريتش، الذي بدأت استطلاعات الرأي تمنح حزبه نحو ستة مقاعد بعد أن كان مهدداً بعدم تجاوز نسبة الحسم، في وقت يشهد فيه الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة نشاطاً وتمويلاً متسارعين يعكسان توجه الحكومة نحو تكريس مشروعها الاستيطاني.

ولا يخفي هذا الخطاب طموح اليمين الإسرائيلي إلى إعادة الاستيطان في شمال قطاع غزة، خاصة أن الحديث يدور عن نوى تابعة لـ”الناحال”. ورغم أن “الناحال” تُعرف كوحدة في الجيش الإسرائيلي، فإنها منذ تأسيسها في خمسينيات القرن الماضي أدت دوراً محورياً في المشروع الاستيطاني، إذ جمعت بين الخدمة العسكرية وإقامة المستوطنات والنقاط الزراعية والأمنية، وأسهمت في تأسيس عدد كبير من المستوطنات داخل فلسطين التاريخية ثم في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967.

ومن هنا، فإن استحضار “الناحال” في سياق الحديث عن غزة لا يبدو مجرد تفصيل عسكري، بل يحمل دلالات سياسية واستيطانية واضحة. فإعادة طرح هذا المشروع إعلامياً وسياسياً توحي بأن الحكومة الإسرائيلية تعمل تدريجياً على تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لتقبل فكرة إعادة الاستيطان في أجزاء من قطاع غزة، مستفيدة من استمرار الحرب، وتعثر المفاوضات، واقتراب الانتخابات، بحيث يصبح التصعيد العسكري وسيلة ليس فقط للضغط على حماس، وإنما أيضاً لفرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

ومن هنا، لا تبدو هذه التصريحات مجرد مواقف إعلامية أو رسائل انتخابية، بل تعكس اتجاهاً سياسياً يتقاطع مع مسار العمليات العسكرية الجارية في قطاع غزة، وهو ما يدفع إلى قراءة التصعيد من زاوية تتجاوز أهدافه المعلنة.

لكن ما يجري لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تصعيد عسكري مرتبط بتعثر المفاوضات أو محاولة لزيادة الضغط على حركة حماس. فالتطورات الميدانية، إلى جانب الخطاب السياسي الإسرائيلي، تشير إلى أن الحرب تتجاوز أهدافها المعلنة لتندرج ضمن مشروع أوسع يقوم على إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في قطاع غزة.

فاستمرار القصف المكثف، والتدمير المنهجي للأحياء السكنية، وإصدار أوامر الإخلاء المتكررة، ودفع مئات آلاف الفلسطينيين إلى التنقل القسري من منطقة إلى أخرى، كلها ليست مجرد نتائج للحرب، بل تتحول تدريجياً إلى سياسة قائمة بذاتها. إنها سياسة تقوم على جعل الحياة في أجزاء واسعة من القطاع مستحيلة، بما يدفع السكان إلى النزوح الدائم، ويمنعهم من العودة إلى مناطقهم، ويخلق واقعاً جديداً يمكن البناء عليه سياسياً وأمنياً.

ولا ينفصل ذلك عن استمرار السيطرة العسكرية على مساحات واسعة من قطاع غزة، ولا عن توسيع ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، ولا عن الحديث المتكرر بشأن إقامة نوى استيطانية في شمال القطاع. فهذه العناصر تبدو مترابطة ضمن رؤية واحدة، يكون فيها التهجير القسري وسيلة لإعادة رسم الخريطة، بينما يصبح الاستيطان أحد الأهداف التي يمكن تسويقها داخلياً باعتبارها إنجازاً للحكومة الإسرائيلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات.

وفي هذا السياق، لا يبدو التهجير القسري غاية في ذاته، بل وسيلة لإفراغ الأرض من سكانها تمهيداً لإعادة تشكيلها. فالمشروع الاستيطاني لا يبدأ ببناء المستوطنات، وإنما يبدأ بخلق واقع يجعل العودة بالغة الصعوبة، عبر التدمير المنهجي، واستمرار النزوح، وتعطيل إعادة الإعمار، وإبقاء مساحات واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية. وبذلك، لا تبدو العلاقة بين حرب الإبادة والحديث المتصاعد عن إعادة الاستيطان علاقة تزامن فحسب، بل علاقة تكامل، حيث تهيئ الأولى الظروف الميدانية والديموغرافية التي يحتاجها الثاني.

ومن هنا، فإن ما يجري لا يقتصر على حرب تستهدف القضاء على حماس أو نزع سلاحها، بل يتجاوز ذلك إلى خلق ظروف تحول دون عودة السكان إلى مناطقهم، وتمنع إعادة إعمارها، بما يفتح المجال أمام فرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة. فكل منزل يُدمر، وكل حي يُفرغ من سكانه، وكل عائلة تُدفع للنزوح مرة بعد أخرى، يقرب هذا المشروع خطوة إضافية إلى الأمام.

ولذلك، فإن ارتفاع وتيرة حرب الإبادة في هذه المرحلة لا يبدو منفصلاً عن تصاعد الخطاب الاستيطاني، بل يشكل جزءاً من البيئة التي تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إنتاجها. فالتطهير العرقي، عبر التهجير القسري وتدمير مقومات الحياة ومنع العودة، لا يبدو مجرد أثر جانبي للحرب، وإنما أحد المسارات التي قد تفضي، إذا استمرت، إلى فرض واقع استيطاني جديد في أجزاء من قطاع غزة، وهو ما يفسر التلازم بين التصعيد العسكري، والحديث عن إعادة الاستيطان، والتوظيف الانتخابي لهذه السياسات داخل إسرائيل.