لم تعد المعركة في الفضاء الرقمي اليوم بين من يملك المعلومة ومن يفتقدها فقط، بل أصبحت بين من يحترم عقل الإنسان ومن يتعامل معه كرقم في قائمة المشاهدات. فالمساحة الرقمية التي وُلدت بوصفها أداة لتحرير المعرفة وفتح أبواب الحوار، باتت في كثير من الأحيان ساحة يتنافس فيها الوعي مع الضجيج، والحقيقة مع الإثارة، والفكرة العميقة مع المحتوى السريع الذي لا يترك وراءه سوى مزيد من التشويش.
لا يختلف اثنين على أن حق التعبير قيمة أساسية لا يمكن المساس بها، فالمجتمعات الحية لا تُبنى بإسكات الأصوات، وإنما بإدارة الاختلاف واحترام التعدد. لكن حرية التعبير لا تعني أن يصبح الجهل مساوياَ لمعرفة، ولا أن يحصل التضليل على المكانة نفسها التي تحصل عليها الحقيقة. فهناك فرق كبير بين شخص يطرح رأياَ مخالفاَ وشخص يتعمد إرباك الناس واستغلال نقص المعرفة لديهم.
لقد أصبحت بعض المنصات الرقمية تكافئ أحياناَ الأكثر إثارة لا الأكثر فائدة، والأعلى صوتاَ لا الأعمق فكراَ. وهنا يُكمن الخطر لأن صناعة الوعي لا تتم عبر كثرة المتابعين، بل عبر جودة الأفكار وتأثيرها في المجتمع. فليس كل من امتلك منصة أصبح صاحب رسالة، وليس كل من حقق انتشاراَ قدم قيمة تستحق الاحتفاء.
إن احترام عقول الناس يجب أن يكون الخط الفاصل بين المحتوى الذي يستحق الدعم والمحتوى الذي يستهلك وقت المجتمع وطاقته. فالمُتلقي ليس جمهوراَ ساذجاَ ينتظر من يملأ فراغه، بل هو إنسان يملك حق الحصول على معلومات تحترم تفكيره وتساعده على الفهم والتحليل واتخاذ القرار.
المسؤولية هنا لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل تمتد إلى المنصات الرقمية التي أصبحت لاعباَ أساسياَ في تشكيل ما يراه الناس وما يتابعونه. كما تقع على الجمهور نفسه، فاختيارات المستخدمين وتعاملهم مع المحتوى تحدد إلى حد كبير طبيعة الفضاء الرقمي الذي نعيش فيه.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف مفهوم الشهرة الرقمية. فالقيمة ليست في عدد الإعجابات، ولا في سرعة الانتشار، وإنما في القدرة على تقديم شيء يضيف إلى الإنسان لا شيء يستنزفه. فالمجتمع الذي يمنح اهتمامه لمن يستخف بعقله، يفتح الباب أمام تراجع المعرفة وانتشار السطحية.
المساحة الرقمية ليست ملكاَ للجهل، كما أنها ليست امتيازاَ لفئة معينة إنها مسؤولية جماعية يجب أن تُدار بوعي ، ومن حق كل إنسان أن يُسمع صوته، لكن من حق المجتمع أيضاَ ان يميز بين صوت يبني وصوت يهدم.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: من يملك القدرة على الوصول إلى الناس؟ بل: من يستحق أن يصل إليهم؟ والإجابة تبدأ من قاعدة واضحة: المساحة الرقمية يجب أن تُمنح لمن يحترم عقول الناس، لا لمن يراهن على جهلهم.