غزة... الأرض والإنسان، ماذا بعد؟
نشر بتاريخ: 2026/08/04 (آخر تحديث: 2026/08/04 الساعة: 16:07)

بعد إعلان ما وُصف بـ"الاتفاق التاريخي" في 31 يوليو/تموز 2026 بشأن نزع سلاح حركة حماس، لا يزال المشهد عالقاً بين التفاؤل الحذر والواقع المعقد، بسبب خلافات جوهرية حول آليات التنفيذ وتسلسل الخطوات، في ظل غياب موافقة إسرائيلية رسمية حتى الآن.

خلفية سريعة

وُقّع اتفاق وقف إطلاق النار الأصلي في شرم الشيخ خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025 ضمن الخطة التي طُرحت برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والمعروفة بخطة النقاط العشرين.

وشملت المرحلة الأولى وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والجثامين، وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً إلى ما عُرف بـ"الخط الأصفر"، إضافة إلى إدخال المساعدات الإنسانية.

وقد نفذت حماس معظم التزاماتها المتعلقة بإطلاق الأسرى الأحياء وتسليم الجثامين، فيما استمرت إسرائيل في السيطرة على مساحات واسعة من قطاع غزة، مع تسجيل خروقات متكررة وضربات محدودة واستمرار تدفق المساعدات بمعدلات أقل من المتفق عليها، الأمر الذي أبقى المرحلة الثانية معلقة لأشهر طويلة.

ماذا أُعلن في نهاية يوليو 2026؟

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب و"مجلس السلام"، الهيئة المشرفة على تنفيذ الخطة، موافقة حماس والفصائل الفلسطينية على خارطة طريق للمرحلة الثانية، وجرى وصفها بأنها "اتفاق تاريخي للنزع الكامل للسلاح".

وتتضمن أبرز البنود:

وقف العمليات العسكرية من الجانبين واستكمال الالتزامات الواردة في بروتوكول شرم الشيخ.

تسليم الإدارة المدنية والأمنية في غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وهي هيئة فلسطينية مستقلة ذات طابع تكنوقراطي، من دون مشاركة مباشرة لحماس في الحكم.

تنفيذ عملية تدريجية لحصر الأسلحة الثقيلة ومواقع الإنتاج والأنفاق وتخزينها تحت إشراف اللجنة الوطنية الفلسطينية.

انسحاب إسرائيلي مرحلي ومتزامن مع نشر قوة استقرار دولية وشرطة فلسطينية جديدة.

إعداد جدول زمني وآليات تنفيذ خلال أربعة عشر يوماً من موافقة جميع الأطراف.

إطلاق مسار إعادة الإعمار وتهيئة الطريق نحو حكم فلسطيني وتقرير المصير.

ورغم إعلان حماس موافقتها الرسمية، فإنها اشترطت التزام إسرائيل أولاً بما تبقى من استحقاقات الاتفاق السابق، وفي مقدمتها وقف الهجمات، واستكمال الانسحاب المتفق عليه، وتوسيع إدخال المساعدات الإنسانية.

الوضع حتى 4 أغسطس 2026

لم تُصدر إسرائيل موافقة رسمية على الاتفاق. وبينما يلتزم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الصمت العلني، تتحدث أوساط إسرائيلية عن "مخاوف أمنية جدية"، وتتمسك بموقف يعتبر أن أي انسحاب إضافي يجب أن يسبقه نزع كامل وموثق للسلاح، مع تفضيل إخراج الأسلحة من غزة نهائياً بدلاً من تخزينها داخل القطاع.

في المقابل، يواصل وزراء اليمين المتطرف رفضهم للاتفاق، مطالبين باستمرار العمليات العسكرية، فيما تواصلت الضربات الإسرائيلية بعد الإعلان، ما أدى إلى سقوط ضحايا فلسطينيين وزاد من الشكوك حول فرص تنفيذ الاتفاق.

أما الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر وقطر وتركيا، فيواصلون جهودهم لتقريب المواقف وردم الفجوات بين الأطراف.

ماذا بعد؟

الخطوات المتوقعة خلال الفترة المقبلة تشمل:

تكثيف المفاوضات عبر الوسطاء لتجاوز نقاط الخلاف.

إعداد الجداول الزمنية وآليات التنفيذ إذا جرى التوصل إلى تفاهمات نهائية.

بدء عمل اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار الدولية بصورة تدريجية.

إطلاق عملية حصر السلاح بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي وتحت رقابة دولية.

لكن الواقع على الأرض لا يزال هشاً ومثقلاً بالجراح. فالمساعدات محدودة، والسيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع مستمرة، كما أن العمليات العسكرية لم تتوقف بصورة كاملة.

ولعل الحقيقة الأكثر إيلاماً أن الغزيين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر. ففي نظر كثير منهم، لم تنتهِ الحرب بعد، وما زالت العائلات تُفجع بفقدان أبنائها، وتُمحى أسر كاملة من السجل المدني، فيما تتآكل الثقة بالوعود والاتفاقات، وتتراجع الآمال بقرب انفراج حقيقي.

بين حسابات السياسة وتعقيدات الأمن وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، يبقى الإنسان الفلسطيني في غزة هو الحلقة الأضعف والأكثر معاناة. ولذلك يظل السؤال مفتوحاً، ومحملاً بالقلق والألم معاً:

ماذا بعد يا غزة... يا أرضاً أنهكتها الحروب، ويا شعباً ما زال ينتظر فجراً يبدد هذا الركام الطويل؟