بعض الأوساط الأميركية بدأت بالحديث عن هزيمة أميركية في الحرب مع إيران، وذلك بعد أن كان الحديث يقتصر على التأكيد على جملة من التقديرات الخاطئة التي رافقت تلك الحرب، منها غياب الإستراتيجية الواضحة، وكذلك انجرار الرئيس دونالد ترامب للحرب، بتحريض من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ورغم أن من يتحدث عن الهزيمة الأميركية هم الديمقراطيون الأميركيون، إضافة لبعض المحللين السياسيين والعسكريين، ارتباطاً بمسار العمليات العسكرية والمسار التفاوضي في الأسابيع الأخيرة، إلا أن حديث الهزيمة الأميركية لم يأت من فراغ، وأكثر من ذلك لا يثير رد فعل من الاستهجان أو الغرابة، لأنه ببساطة ينطوي على قدر كبير من الوجاهة، بل والقناعة المتزايدة لدى الكثير من المحللين العسكريين، خاصة المحايدين منهم، أي الذين يستندون إلى لغة الأرقام، إضافة إلى المتابعين والمحللين السياسيين الذين يقارنون بالضرورة بين الأهداف التي أعلنها كل من ترامب ونتنياهو عشية إطلاق الحرب، وبين ما تمخض عنه جبل تلك الأهداف، والذي كان فأراً.
والحقيقة كما يحدث مع نتائج الحروب دائماً، فإن هذه الحرب من الطبيعي أن تقيّم بما نجم عنها في نهاية الأمر، ورغم أن أمرها لم ينتهِ بعد، إلا أن هناك ما يدعونا إلى التقدير، بأنها في مرحلتها الأخيرة، أو أنها أوشكت على أن تشي بنتائجها، وأول ما يمكن لحظه هو أن الحرب تتوقف كما لو كانت مجرد شاحنة اندفعت تقطع الوديان والصحراء والجبال، إلى أن وجدت نفسها غارقة في الوحل، وقد نفد وقودها، فتوقفت بهدوء، وبالتدريج، ودون إعلان، ورغم أن قرار وقفها أو طريقته لا يتطابق تماماً بين طرفَي إطلاقها، نقصد الجانبين الإسرائيلي والأميركي، إلا أن الاستحقاق الانتخابي لديهما يعتبر أحد أهم موجبات وقف الحرب، وإن كان التوقيت مختلفاً بين هذا وذاك، فوقف الحرب قبل الانتخابات هو رغبة أميركية يريدها الحزب الجمهوري والبيت الأبيض بالطبع، فيما وقفها بعد الانتخابات يبدو أمراً مرجحاً على الجانب الإسرائيلي، خاصة مع التغيير المتوقع لحكومة الحرب المتطرفة الحالية، التي عاشت مدتها القانونية تتغذى على الحرب، والتي لولاها لسقطت منذ زمن.
أما حديث الهزيمة، فالمقصود منه لا يعني هزيمة أميركية أو إسرائيلية ماحقة، على شاكلة هزيمة ألمانيا، مثلاً، في الحرب العالمية الثانية، بل إن حديث الهزيمة نفسه، بات يذهب إلى تقييم مبكر قليلاً، ارتباطاً بنتائج الحرب كما أسلفنا، وعادة تقيّم الحروب بلغة المنتصر، وإزاء مثال ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، نسي التاريخ كل ما قام به النازي خلال ستة أعوام من اجتياح لمعظم أوروبا واحتلال شرقها بما في ذلك فرنسا، وفرض الحصار على الجزر البريطانية، وكل انتصاراته التكتيكية المتتابعة، على كل الجبهات، ذلك أن خسارته الحرب بعد ست سنوات، جبّت كل ما قبلها، وهذا هو حال هذه الحرب، والتدرج في الوصول إلى النتيجة والتقدير، أمر مهم، خاصة أن الطرفين سيظلان يدعيان تحقيق النصر، ارتباطاً بما يحققه كل طرف ميدانياً، وما يطمح له من تحقيق أهداف، وحتى ارتباطاً بتسويق خطاب النصر حتى لو كان زائفاً لجمهور الناخبين في الداخل.
ويقيناً لو أن أميركا وإسرائيل حققتا في حربهما ضد إيران ما حققته «قوة دلتا» في فنزويلا مطلع هذه العام، أي قبل بضعة أسابيع من شن الحرب على إيران، لما جادل أحد في حقيقة تحقيق النصر الأميركي - الإسرائيلي، خاصة أن الضربة الأولى أصابت رأس النظام الإيراني، وكان التقدير بأن ذلك سيحدث رد فعل إيرانياً مزدوجاً، أو مركباً، أحد شكلَيه هو إحداث الفوضى الداخلية، نظراً لأن إيران تبقى دولة عالم ثالث، محكومة بنظام حكم الفرد، وقد أعدت إسرائيل خاصة، خطتها بناء على هذا، أي إطلاق جحافل من المعارضة الإيرانية العسكرية، لاحتلال البلاد، بعد الضربة الأولى، مدعومة بقوة الغزاة الأميركيين والإسرائيليين، فيما كان شكل رد الفعل الثاني، هو أن يجتاح الغضب الإيرانيين، بعد سماعهم نبأ اغتيال المرشد، فيقومون بإلقاء كل ما لديهم من صواريخ ومسيّرات دفعة واحدة.
الغريب هو أن المرشد الراحل كان قد أعد خطة الرد بنفسه، بناء على احتمال اغتياله، فكان الرد سريعاً ومركزاً ومحسوباً، وهكذا فرضت إيران منذ الأيام الأولى للحرب السيناريو الخاص بها لإدارة ساحة الحرب، أي وفق منطق الحرب طويلة الأمد، فأفشلت بذلك إستراتيجية الحرب الأميركية/الإسرائيلية القائمة على الحرب الخاطفة، وتحقيق الأهداف بسرعة، وهذا لم يكن تقديراً، بل كان إعلاناً أميركياً، جاء على لسان ترامب نفسه الذي حدد منذ اليوم الأول مدة الحرب بأنها ستكون ما بين 4 - 6 أسابيع.
وفعلاً بعد أربعين يوماً، أي ستة أسابيع، أعلن عن وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة أسبوعين، امتدا نحو ثلاثة أشهر أنجزت خلالها وثيقة التفاهم، ولم يجر خرق وقف إطلاق النار. رغم أنه كان مؤقتاً إلا الشهر الماضي عبر عمليات عسكرية استمرت 12 يوماً، واقتصرت تقريباً على مدن الجنوب الإيراني، وكانت عمليات تهدف إلى فك قبضة إيران عن مضيق هرمز، ولا شيء آخر.
التراجع الذي تدرج في الموقف الأميركي، الفعلي والعملي، رغم التهديدات الكلامية الفارغة التي كان يطلقها ترامب في فترة التفاوض على طريق وثيقة التفاهم، اكد أولاً الفشل الأميركي في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وبعد أن سوّق ترامب وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أسبوعين يوم 8 نيسان بمطالبته إيران باستسلام غير مشروط، أظهرت وثيقة التفاهم، أن بنودها الأربعة عشر، كانت لصالح إيران وأقرب لمطالبها، وبعيدة كل البعد عن المطالب والشروط الأميركية، ورغم هذا لم ينته الأمر، فكان ترامب يسعى لخدعة إيران بالوثيقة، وكل ما كان يريده هو فتح هرمز، الذي اقتصرت عليه المطالب الأميركية، بعد أن كانت تتباين بين الاستسلام التام، وتسليم أميركا اليورانيوم المخصب، وتفكيك الصواريخ وقصرها على مدى لا يتجاوز 300 كم، وقطع أذرع إيران، بل وفرض عدم تعاملها التجاري مع الصين، وحتى فيما يخص هرمز، فإن الفشل الأميركي المتواصل، في فتحه رغم إرادة إيران، قد جعل ترامب بلا حول ولا قوة، بل إن إيران منذ ما يقارب الشهر، باتت هي الطرف الذي بيده زمام المبادرة، وهو الذي يفرض إرادته ويرفع سقف شروطه ومطالباته.
إلى أن صار كل ما يريده ترامب هو العودة إلى ما كان عليه الحال قبل شن الحرب، ولكن هيهات أن يعود الحال إلى ما قبل الثامن والعشرين من شباط الماضي، ولا حتى للعام 2018، وكما دفع ترامب برعونته إيران إلى رفع نسبة التخصيب في بعض ما لديها من يورانيوم إلى 60% بسبب انسحابه من اتفاق 2015، فإن شنه للحرب دفع إيران للسيطرة على مضيق هرمز، والأمر بات بالنسبة لها ليس ورقة لردع العدوان أو لوقف الحرب عليها وحسب، بل ولإفشال الحصار والعقوبات الأميركية، خاصة تلك المتعلقة بمنع تصديرها للنفط.
وإيران تجد مقابل كل ما خسرته من شهداء ومن دمار في هذه الحرب، التعويض فيما حصلت عليه من سيطرة على مضيق هرمز، وهي خاضت معركته باقتدار، بما في ذلك محطته الأخيرة المتمثلة بالصراع بينها وبين أميركا على عُمان، وللتذكير سبق لترامب وأن هدد عُمان بالسحق أن هي فاوضت إيران التي كانت منذ البداية تدعو إلى إدارة المعبر خليجياً، من قبل إيران وسلطنة عُمان أولاً، ومع دول الخليج العربية ثانياً، وحاول ترامب تجريب العديد من الخطط لتحرير المضيق من قبضة إيران، إلى أن جاء التفاوض بين إيران وعُمان مؤكداً على الموقف الإيراني المعلن منذ زمن، لكن إيران المنتصرة وإن بالنقاط، أحبطت ترامب بالقول: إن اتفاقها مع عُمان، في الوقت الذي يؤكد سيادتهما على المضيق لا يعني فتحه تلقائياً، لأن ذلك يتطلب إنهاء رسمياً للحرب وإنهاء الحصار البحري لإيران.
لم يبق بعد انحسار منسوب الحرب، فيما يرجح وجهتها نحو التوقف دون إعلان، سوى أن يتم تأكيد هزيمة الطرف المعتدي، أي أميركا وإسرائيل، وكما أشرنا فإن هزيمة أميركا لا تعني أن يدخل الحرس الثوري واشنطن، ولا يعني أن تدخل قوات الرضوان تل أبيب، فهزيمة أميركا تتمثل في فشل محاولتها إعادة تثبيت أركان نظامها العالمي، وسيتأكد هذا ليس فقط بعد أن خرجت قطعها البحرية بالفعل من بحر العرب، ولكن بتفكيك قواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة، ولعل إعلان حلف مكة وهو أحد نتائج هذه الحرب، وهو مبادرة سعودية بالدرجة الأولى، يقول إن السعودية على الأقل من بين دول الخليج، وجدت بديل القواعد الأميركية، بعد أن تأكدت أن أميركا خارجة وإيران عززت نفوذها، أما هزيمة إسرائيل، فتكون بعد طي صفحة إسرائيل الكبرى، بفرض حل الدولتين عليها، وهذا ممكن بعد انتخابات الكنيست القادمة.