في تحرك أمريكي لافت، انتقل جاريد كوشنر من القاهرة إلى تل أبيب، بعد لقاء جمعه بقيادة حركة حماس، في مسعى لبحث الملفات الأكثر تعقيدًا على طريق تنفيذ خطة ترامب ذات البنود الـ15، وفي مقدمتها ملف نزع السلاح، ووقف الاستهدافات في قطاع غزة، وتهيئة الظروف للانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق.
وبحسب قراءة المختص في الشأن الإسرائيلي هاني عواد، فإن مستوى الوفد الأمريكي الذي شارك في اللقاء، إلى جانب طبيعة الملفات التي نوقشت، يشيران إلى محاولة لإحداث اختراق في القضايا العالقة وتقريب وجهات النظر بين إسرائيل وحماس.
اختراق مشروط
وقال عواد في تصريحات خاصة بقناة "الكوفية"، إن اللقاء حمل مؤشرات على تفاهمات أولية، لكنه ظل مشروطًا برفع سقف المطالب المرتبطة بالمرحلة الثانية، والتي تشمل استحقاقات على الجانب الإسرائيلي، بينها الانسحاب من أجزاء من قطاع غزة ووقف الاستهدافات المحددة، إلى جانب تهدئة الأوضاع في الضفة الفلسطينية المحتلة.
في المقابل، يواجه المسار عقبة رئيسية تتمثل في اشتراط إسرائيل ربط أي تقدم عملي في تنفيذ خطة ترامب وخارطة الطريق بملف نزع سلاح حماس، وهو ما يجعل هذا الملف نقطة الخلاف الأبرز بين الطرفين.
من تنظيم مسلح إلى حزب سياسي؟
إحدى أكثر النقاط حساسية التي أشار إليها عواد تتعلق بما نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن مستقبل حماس السياسي، إذ تحدث عن طرح تحويل الحركة إلى حزب سياسي بعد نزع سلاحها ونقل السلاح خارج قطاع غزة.
ويرى عواد أن هذا الطرح قد يعزز حضور حماس في المعادلة السياسية الفلسطينية المقبلة، في إطار تصورات أمريكية وإسرائيلية تتحدث أيضًا عن إصلاحات داخل النظام السياسي الفلسطيني الذي سيقود المرحلة المقبلة.
لكن الوصول إلى هذه الصيغة يبقى معقدًا، خصوصًا أن ملف السلاح لا يقتصر على الأسلحة الثقيلة، بل يمتد إلى تفاصيل متعددة تشمل السلاح الشخصي، ما يجعل الاتفاق على آلية عملية لنزع السلاح مسألة شائكة وتحتاج إلى وقت طويل، وفق تقدير عواد.
كوشنر بين حماس ونتنياهو
انتقال كوشنر إلى "إسرائيل" بعد لقاء القاهرة يفتح، وفق هذه القراءة، مسارًا موازيًا للضغط على حكومة بنيامين نتنياهو.
فعلى الرغم من تفهم الإدارة الأمريكية للمشاغل السياسية الإسرائيلية، ولا سيما الانتخابات المقبلة والاعتبارات الداخلية في حزب الليكود، يرى عواد أن كوشنر قد يسعى إلى دفع نتنياهو نحو تقديم الحد الأدنى المطلوب، خصوصًا وقف الاستهدافات في غزة وتهدئة الأوضاع في الضفة الغربية.
وبهذا المعنى، لا تبدو الزيارة مجرد نقل للمطالب بين الأطراف، وإنما محاولة لإدارة فجوة سياسية واسعة: مرونة أبدتها حماس في بعض الملفات من جهة، وتمسك إسرائيلي بربط أي تقدم بملف نزع السلاح من جهة أخرى.
الانتخابات الإسرائيلية.. ورقة نتنياهو
ويشكل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في حسابات نتنياهو. فبحسب ما ورد في المداخلة، ترافق التحرك الأمريكي مع استعدادات داخلية إسرائيلية للانتخابات، إلى جانب صراعات داخل حزب الليكود بشأن إعادة تشكيل قيادته وقائمته الانتخابية.
ويرى عواد أن نتنياهو قد يراهن على عامل الوقت لرفع سقف شروطه وتأجيل الاختراق العملي في تنفيذ الخطة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
في المقابل، قد يحاول كوشنر استثمار المرونة التي أبدتها حماس للضغط على إسرائيل، بما يسمح بتحقيق خطوات محدودة في غزة، مع الإبقاء على ملف نزع السلاح ضمن مسار تفاوضي أطول.
عقدة السلاح.. مفتاح المرحلة المقبلة
يظل نزع السلاح العقدة المركزية في أي تقدم باتجاه تنفيذ الخطة. فإسرائيل، وفق ما نُقل في المداخلة، تريد إنهاء وجود السلاح داخل قطاع غزة، بينما تحتاج حماس إلى ضمانات تتعلق بوقف الاستهدافات وتهدئة الوضع الأمني قبل الدخول في ترتيبات أكثر تعقيدًا.
ويشير عواد إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في إيجاد آلية تشرف عليها دول مثل قطر وتركيا، بما قد يوفر صيغة وسط بين المطلب الإسرائيلي والرفض الفلسطيني لتسليم السلاح بصورة مباشرة.
لكن طبيعة الملف وتعدد تفاصيله يجعلان الوصول إلى اتفاق نهائي بشأنه أمرًا بالغ الصعوبة في المدى القريب.
قوة الاستقرار.. خطوة معلقة
ولا ينفصل ملف قوة الاستقرار الدولية عن مجمل هذه الترتيبات. فقد أشار عواد إلى وجود حديث عن مشاركة قوات من دول عدة، بينها أوغندا والمغرب وكوسوفو، مع حديث عن قوة أوغندية قوامها نحو 250 جنديًا تتحرك ضمن ترتيبات مرتبطة بإدارة الأزمة.
غير أن الانتقال من التصريحات والخطط إلى التنفيذ على الأرض لا يزال يواجه عقبات، أبرزها الموقف الإسرائيلي من تنفيذ خطة ترامب وخارطة الطريق، إلى جانب ما وصفه عواد بفرض شروط وضغوط متبادلة تربط الانتقال من خطوة إلى أخرى.
الصراع السياسي والاختبار القادم
بين القاهرة وتل أبيب، يتحرك كوشنر على خط بالغ التعقيد: محاولة تحقيق اختراق في ملف غزة، احتواء عقدة نزع السلاح، دفع إسرائيل نحو خطوات محدودة، والإبقاء على المسار السياسي مفتوحًا حتى الانتخابات الإسرائيلية.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرة واشنطن على تضييق الفجوة بين شروط إسرائيل ومطالب حماس، وعلى منع عامل الوقت من التحول إلى أداة لتعطيل تنفيذ الخطة بالكامل.