حين يصبح قتل الفلسطيني قابلاً للتبرير برواية أمنية جاهزة، فإن المأساة لا تتوقف عند سقوط شهيد، بل تمتد إلى عائلته وذاكرته وأبنائه. وقصة عائلة خازم في جنين تختصر جانباً مؤلماً من هذا الواقع.استشهد رعد خازم في أبريل/نيسان 2022، بعد عملية إطلاق نار في شارع ديزنغوف في تل أبيب، ثم خاض اشتباكاً مع القوات الإسرائيلية في يافا انتهى باستشهاده. وبعد نحو خمسة أشهر، استشهد شقيقه عبد الرحمن خازم خلال اقتحام قوات الاحتلال مخيم جنين ومحاصرة منزل العائلة، حيث دارت اشتباكات انتهت باستشهاده.ولم تتوقف المأساة عند الابنين؛ فقد بقي والدهما فتحي خازم «أبو رعد» في دائرة الاستهداف والملاحقة، إلى أن اقتحمت قوات الاحتلال منزله وانتهت العملية باستشهاده برصاصها.إن ما جرى مع الشهيد فتحي خازم هو قتل متعمد واغتيال واضح، ولا يمكن تبريره بأي رواية أمنية يطرحها الاحتلال. فالاقتحام العسكري لمنزله واستهدافه بالرصاص، في سياق متكرر من ملاحقة الفلسطينيين وقتلهم، يؤكد أن الأمر ليس حادثاً عابراً، بل جزء من سياسة ممنهجة في استهداف الإنسان الفلسطيني وتصفيته ثم البحث عن مبررات لتغطية الجريمة.وبحسب الرواية الإسرائيلية، فقد حاول فتحي خازم طعن أحد الجنود. لكن هذه الرواية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن التحقيق، ولا أن تتحول إلى غطاء لتبرير إطلاق النار والقتل. فحين تدخل قوة عسكرية إلى منزل فلسطيني لاستهداف شخص بعينه، ثم تنتهي العملية بمقتله، فإن المسؤولية تقتضي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً في كل تفاصيل ما جرى.وهنا يبرز السؤال: هل كانت العملية بهدف الاعتقال فعلاً، أم أن قرار قتل فتحي خازم كان قد اتُّخذ قبل الوصول إلى منزله؟إن تكرار هذه الأحداث يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة. فهناك نمط متكرر من الاقتحامات والقتل والاستهداف، يعقبه في كثير من الأحيان تقديم روايات أمنية لتبرير سقوط الضحايا.الاحتلال يضرب بالقوانين عرض الحائطوهنا يبرز أيضاً ملف التفاهمات التي جرت بين السلطة الفلسطينية والاحتلال بشأن العفو وتسوية أوضاع عدد من المطاردين الفلسطينيين، والتي كان يفترض أن تنهي ملاحقتهم وتحميهم من الاعتقال أو الاستهداف.لكن الاحتلال يضرب بعرض الحائط ليس فقط بهذه التفاهمات، بل أيضاً بالقوانين والمواثيق الدولية وكل القواعد التي يفترض أن تحمي الإنسان الفلسطيني وحقوقه الأساسية.فما قيمة القوانين الدولية إذا كان الاحتلال يستطيع اقتحام المدن والمخيمات والمنازل، وقتل الفلسطينيين، ثم تقديم روايات أمنية لتبرير أفعاله؟ وما قيمة التفاهمات إذا لم يلتزم الطرف الأقوى بها؟إن القضية لم تعد قضية فتحي خازم وحده، بل قضية مبدأ: هل توجد حماية حقيقية للإنسان الفلسطيني، أم أن القانون الدولي يصبح عاجزاً عندما يتعلق الأمر بالاحتلال؟إن استمرار هذه الجرائم يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لا يجوز الاستمرار في تجاهلها. فالقوانين والمواثيق الدولية لم تُوجد لتكون نصوصاً محفوظة في الملفات، بل لحماية الإنسان ومحاسبة من يتجاوز حقوقه.وتزداد مأساوية المشهد حين نضعه في سياقه الإنساني؛ ففتحي خازم لم يكن أباً عادياً، بل والد الشهيدين رعد وعبد الرحمن. وهنا يبدو المشهد وكأن دائرة الموت لم تكتفِ بالأبناء، بل امتدت إلى الأب أيضاً، لتترك وراءها عائلة فلسطينية تحمل أكثر من جرح، وذاكرة مثقلة بالفقد، وسؤالاً لا يجد جواباً: متى يتوقف هذا الدم؟لقد تعب الفلسطيني من بيانات الإدانة التي تأتي بعد كل جريمة، ومن الصمت الدولي الذي يتحول مع مرور الوقت إلى شريك غير معلن في استمرار المأساة.فلسطين لا تريد الموت، ولا تريد أن تبقى أسيرة مشهد الدم والانتقام. الفلسطيني يريد أن يعيش كما يعيش باقي البشر في العالم؛ أن يكبر أطفاله دون خوف، وأن يعود الأب إلى منزله، وأن يشيّع أبناءه إلى المستقبل لا إلى المقابر.فإلى متى يبقى الدم الفلسطيني مباحاً؟ ومتى يتحول القانون الدولي من كلمات على الورق إلى حماية حقيقية للإنسان الفلسطيني؟إن اغتيال فتحي خازم لا يمكن أن تمحوه رواية الاحتلال، ولا أن تبرره أي حجة أمنية. وسيبقى السؤال قائماً أمام العالم: متى يتوقف قتل الفلسطينيين، ومتى تصبح العدالة أقوى من صوت الرصاص؟إن الشعب الفلسطيني لا يريد الموت، بل يريد الحياة والحرية والكرامة والعدالة، وأن يعيش كباقي شعوب العالم بعيداً عن الاحتلال والقتل والخوف.
من قتل الأبناء إلى اغتيال الأب.. جريمة خازم لا تسقط بالتقادم
نشر بتاريخ: 2026/08/21
(آخر تحديث: 2026/08/21 الساعة: 18:52)