غزة إلى أين؟ قراءة مختصرة في الأحداث القادمة
نشر بتاريخ: 2026/08/22 (آخر تحديث: 2026/08/22 الساعة: 16:22)

بعد أكثر من عام على الحرب الأكثر تدميرًا في تاريخ قطاع غزة، تقف غزة عند مفترق طرق مصيري. فالقطاع الذي تحوّل إلى ركام، والهدنة الهشة التي تتخللها خروقات متكررة، يطرحان سؤالًا مركزيًا: هل تتجه الأوضاع نحو تهدئة دائمة، أم أن الأبواب ما تزال مفتوحة أمام جولة جديدة من التصعيد؟

الوضع الراهن: هدنة تحت الرماد

خلّفت الحرب عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين، فيما تعرضت البنية التحتية لدمار واسع طال مختلف القطاعات الحيوية. وقد أسهم اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى بوساطة قطرية ومصرية وأمريكية، في وقف القتال مؤقتًا، لكنه لم يتحول إلى مسار سياسي واضح وقابل للاستمرار.

وتبقي التصريحات الإسرائيلية المتكررة بشأن «استئناف القتال» و«القضاء على حماس»، إلى جانب غياب ضمانات حقيقية لتنفيذ بنود الاتفاق، التهديد قائمًا فوق رؤوس سكان القطاع، الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والدمار.

المعضلة السياسية: من يحكم غزة؟

يبقى مستقبل الحكم في قطاع غزة أحد أكثر الملفات تعقيدًا. فإسرائيل ترفض عودة حماس إلى إدارة القطاع، وتطالب بترتيبات أمنية تحول دون إعادة بناء قدراتها العسكرية. في المقابل، تتمسك حماس بدورها السياسي والعسكري، وترفض أي حديث عن نزع سلاحها خارج إطار تسوية سياسية شاملة.

أما السلطة الفلسطينية، فتبدو غير قادرة في الوقت الراهن على ملء الفراغ، في ظل ضعف شرعيتها وغياب رؤية واضحة لإدارة قطاع مدمر يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

وتصطدم المقترحات الدولية، سواء المتعلقة بلجان إدارية محلية أو قوة عربية مؤقتة، بتعقيدات سياسية وأمنية كبيرة، في ظل رفض إسرائيلي لأي دور فلسطيني مركزي، ورفض حماس لأي ترتيب يهمّش حضورها السياسي.

الأدوار الإقليمية والدولية

تلعب مصر وقطر دورًا محوريًا في الوساطة، إلا أن قدرتهما على ممارسة ضغط حاسم على الأطراف تبقى محدودة. كما أن السياسة الأمريكية قد تعيد ترتيب أولوياتها بين الانخراط الدبلوماسي وتقليص حضورها في ملفات المنطقة.

أما إيران وحلفاؤها، فقد تلقوا ضربات موجعة خلال الحرب، ولا سيما مع تراجع قدرات حزب الله، وهو ما قد يدفع باتجاه تهدئة إقليمية مؤقتة، لكنه قد يترك غزة أمام خيارات أكثر صعوبة.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا سيحدث في غزة؟ بل: هل يتعلم المجتمع الدولي من نتائج الحرب، أم يكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها؟ فالغزيون لا يريدون هدنة مؤقتة تعيدهم إلى نقطة الصفر، ولا مساعدات تبقيهم على قيد الحياة وسط الركام؛ إنهم يريدون نهاية حقيقية للحرب، وعودة آمنة إلى ما تبقى من بيوتهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومستقبلًا سياسيًا واضحًا.

السيناريوهات المحتملة

يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية: تهدئة هشة طويلة الأمد مع مفاوضات بطيئة؛ أو عودة الحرب الشاملة إذا فشلت المفاوضات؛ أو إدارة عربية أو دولية مؤقتة تتولى شؤون القطاع خلال مرحلة انتقالية؛ أو انفجار الوضع الإنساني نتيجة استمرار الحصار وتأخر إعادة الإعمار.

وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، تبقى جميع هذه السيناريوهات مفتوحة. وغزة لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة أو مساعدات إنسانية فحسب، بل إلى مسار سياسي جاد يضمن حماية المدنيين، وينهي الاحتلال، ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والحياة.

فغزة لا تقف اليوم أمام سؤال الحرب والسلام فقط، بل أمام سؤال أكبر: هل ستكون هذه الحرب بداية لمسار سياسي جديد، أم مجرد فصل آخر من فصول الصراع؟ الإجابة ستحددها قدرة الأطراف والمجتمع الدولي على تحويل الهدنة من فترة لالتقاط الأنفاس إلى طريق حقيقي نحو السلام والاستقرار؛ فغزة لا تحتمل حربًا جديدة، ولا تحتمل سلامًا مؤقتًا يعيد إنتاج الحرب.