استنفاذ القوة الانتخابية في الأحزاب العربية
نشر بتاريخ: 2026/08/26 (آخر تحديث: 2026/08/26 الساعة: 20:09)

• بينما يتركز الاهتمام الشعبي والإعلامي على تشرذُم أحزاب اليمين، والذي يهدد المعسكر، في أغلبيته، تتواصل في المعسكر المقابل عملية التبلور السياسي واستنفاد الأصوات، تمهيداً لتشكيل كتلة مانعة، وفي الأسبوع الماضي، تم التوصل إلى اتفاق على خوض الانتخابات ضمن قائمة عربية مشتركة بين حزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد) وتحالُف الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - العربية للتغيير (حداش - تعل).

• يستحوذ سقوط حزب "ميرتس" في انتخابات 2022 على معظم الاهتمام في الذاكرة العامة، لكنه لم يكن الحزب الوحيد الذي اقترب جداً من نسبة الحسم، التي تبلغ 3.25% من الأصوات؛ ففي الانتخابات نفسها، كان حزب التجمع قريباً جداً أيضاً، فبينما حصل "ميرتس" على 3.16% من الأصوات، حصل التجمع على 2.91%، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة مقاعد. وفعلاً، كلّ مرة خاض فيها التجمع الانتخابات بشكل مستقل في الماضي، حصل على ثلاثة مقاعد، باستثناء مرة واحدة حصل فيها على مقعدين فقط.

• إن مناقشة أنماط التصويت لدى العرب في إسرائيل تستوجب التطرق إلى جوانب عديدة: حجم الأصوات المهدورة التي لا تتجاوز نسبة الحسم؛ وتوزيع الأصوات بين دعم الأحزاب العربية والأحزاب المدنية العامة [المقصود الأحزاب التي لا تقتصر على قطاع معين، والمفتوحة أمام الجميع]، وعلاوةً على ذلك كله، نسبة المشاركة في الانتخابات عموماً، مقارنةً بنسبة المشاركة لدى الأغلبية اليهودية.

• في أعقاب الاتفاق على خوض الانتخابات بشكل مشترك، من الواضح أن الأحزاب العربية ستحصل على زيادة كبيرة في قوتها في الانتخابات المقبلة. وبخلاف الانتخابات السابقة، لن يفقد أيٌّ من الأحزاب الأربعة هذه المرة أصواتاً بسبب عدم تجاوُز نسبة الحسم، لكن منع ضياع الأصوات ليس سوى عنصر واحد في عملية استنفاد القوة الانتخابية.

• إن العرب في إسرائيل هم المجموعة الاجتماعية التي تظهر فيها أكبر الفوارق في نِسب المشاركة، وأحياناً، حتى في انتخابات متتالية ومتقاربة زمنياً؛ ففي انتخابات سنة 2021، هبطت نسبة المشاركة إلى مستوى قياسي منخفض بلغ نحو 45%، مقارنةً بأكثر من 67% لدى الأغلبية اليهودية. وفي الانتخابات السابقة في سنة 2022، ارتفعت النسبة لدى العرب إلى 53%، على الرغم من عدم تشكيل قائمة مشتركة.

• ويُظهر تحليل أنماط التصويت خلال العقد الأخير وجود علاقة وثيقة بين تشكيل قائمة مشتركة، كاملة، أو جزئية، وبين ارتفاع وانخفاض نسبة المشاركة؛ ففي انتخابات سنة 2020، بلغت نسبة المشاركة نحو 65%، وكانت النتائج متناسبة مع ذلك، إذ حصلت القائمة المشتركة، التي ضمت الأحزاب الأربعة كلها، على 15 مقعداً؛ أمّا الانخفاض الكبير، إلى نحو 45%، فأتى في الانتخابات التالية، بعد تفكُّك القائمة المشتركة.

• أمّا العنصر المكمّل للصورة، فهو العلاقة بين دعم الأحزاب العربية ودعم الأحزاب العامة، وهنا أيضاً تظهر التقلبات، لكن الاتجاه واضح: مزيد ومزيد من الناخبين العرب الذين ينقلون دعمهم إلى الأحزاب العربية على حساب دعم الأحزاب العامة؛ وفي الانتخابات السابقة، بلغت نسبة الدعم للأحزاب العامة نحو 14% فقط، وفقاً لأريه رودنيتسكي، في دراسة بعنوان «تحليل تصويت الجمهور العربي في انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين» (2022)، الصادرة عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية".

• من وجهة نظر كتلة اليسار، التي يتمثل هدفها الأساسي في تشكيل كتلة مانعة، تبدو الصورة معقدة. ومن منظور تشكيل الكتلة المانعة بحد ذاته، من الواضح أن انضمام التجمع إلى القائمة المشتركة يحسّن الوضع، إذ أصبحت كتلة اليسار الآن منظمة بطريقة مختلفة تماماً عن الانتخابات السابقة، ولا سيما في ظل غياب ذلك الهدر الكبير للأصوات الذي شهده حزبا "ميرتس" و"التجمع"، آنذاك، والذي بلغ معاً 6% من الأصوات. لكن كلما تحسنت إمكانات تشكيل كتلة مانعة، كلما أصبحت الاستعانة المحتملة بالأحزاب العربية إشكاليةً أكثر؛ ففي الآونة الأخيرة، بدأ النقاش داخل كتلة اليسار بشأن تأليف حكومة أقلية تستند إلى كتلة مانعة، بالتعاون مع الأحزاب العربية، وسيمرّ هذا التحرك بسهولة بين مؤيدي الكتلة، إلّا إن التجمع هو الحزب الأكثر تشدداً في المجتمع العربي فيما يتعلق برفض وجود إسرائيل، كدولة يهودية وديمقراطية. وبخلاف القائمة العربية الموحدة (راعم)، التي تنشر نوعاً من شبكة التمويه حول مواقفها الأساسية، فإن التجمع لا يحاول تمويه هذه المواقف، أو إخفاءها، أو التقليل من شأنها.

• يأملون في اليسار بتحقيق الكتلة المانعة من دون الحاجة إلى ممثلي التجمع الذين سيكون دعمهم إشكالياً، إن وافقوا عليه أصلاً. وفي الوقت الذي تتطور في اليسار عمليات التبلور واستنفاد القوة الانتخابية، يراقب اليمين إعلان قائمة يمينية جديدة أُخرى.