ديفيد حسن.. جراح المخ والأعصاب ومنظّم دقات قلب الإغاثة الإنسانية في غزة
نشر بتاريخ: 2026/09/01 (آخر تحديث: 2026/09/01 الساعة: 23:20)

هناك أطباء يذهبون إلى غرفة العمليات لإنقاذ حياة، وهناك أطباء تتحول مهنتهم إلى رسالة، ورسالتهم إلى موقف إنساني يتجاوز حدود المستشفى والجغرافيا.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم د. ديفيد حسن، جراح المخ والأعصاب الفلسطيني–الأمريكي، الذي لم يكتفِ بأن يكون طبيبًا يعالج الدماغ والأوعية الدموية الدماغية، بل اختار أن يكون حاضرًا حيث الألم أشد، وحيث يحتاج الإنسان إلى من يرى فيه إنسانًا قبل أن يراه رقمًا في سجل المرضى.

وُلد ديفيد حسن في الكويت لوالدين فلسطينيين، وتنحدر عائلته من فلسطين التي غادراها عام 1967. وفي الولايات المتحدة بنى مسيرته الأكاديمية والمهنية حتى أصبح أستاذًا لجراحة المخ والأعصاب في جامعة ديوك، إلى جانب عمله الأكاديمي في الهندسة الطبية الحيوية وعلم الأعصاب.

لكن الحرب على غزة دفعت حياته في اتجاه آخر.

في ديسمبر/كانون الأول 2023، دخل حسن إلى غزة ضمن بعثة طبية، وكان من أوائل الجراحين الذين وصلوا إلى القطاع بعد اندلاع الحرب. لم تكن مهمته سهلة؛ مستشفيات مثقلة بالجرحى، نقص في الأدوية والمستلزمات، محدودية في غرف العناية المركزة والفرق الطبية، وواقع صحي يفرض على الطبيب أن يعمل في ظروف تتحدى أبسط قواعد الطب الحديث.

عاد حسن إلى غزة مرة أخرى في أبريل/نيسان 2024، لكن غزة هذه المرة لم تعد بالنسبة إليه مجرد مهمة طبية تنتهي بالعودة إلى الولايات المتحدة.

لقد رأى شيئًا آخر.

رأى أطفالًا فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وأطفالًا تاهوا وسط القصف والنزوح، وأجيالًا صغيرة تحمل في عيونها آثار حرب أكبر من أعمارها.

وهنا تغيّر السؤال في داخله من: كيف نعالج الجريح؟ إلى سؤال أكثر اتساعًا: كيف نحمي الطفل الذي نجا؟

ومن هذا السؤال ولدت رؤيته لإنشاء قرية أطفال غزة، ومبادرات لتوفير المأوى والتعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي للأطفال الأيتام والفئات الأكثر هشاشة. كما ساهمت جهوده في إطلاق أكاديمية الأمل في دير البلح، التي تجمع بين التعليم والإطعام والرعاية، في محاولة لإعادة شيء من الطفولة إلى أطفال سرقت الحرب منهم المدرسة والبيت والأمان.

وهنا تكمن خصوصية ديفيد حسن.

فهو لا يحمل في يده مشرط الجراح فقط، وإنما يحمل أيضًا مسؤولية الطبيب الذي أدرك أن الجرح الفلسطيني في غزة ليس جرحًا جسديًا وحده.

هناك جرح في الذاكرة، وجرح في الطفولة، وجرح في البيت الذي تهدّم، وجرح في قلب أم تبحث عن طفلها، وجرح طفل يستيقظ من نومه على صوت القصف بدلًا من جرس المدرسة.

لذلك يمكن القول إن ديفيد حسن أصبح، بصورة رمزية، منظّمًا لدقات قلب الإغاثة الإنسانية في غزة؛ فهو يتحرك من غرفة العمليات إلى مساحة أوسع: الغذاء، التعليم، المأوى، الصحة، والدعم النفسي.

واللافت أن جهوده لم تتوقف عند حدود الهوية الفلسطينية، بل سعى إلى بناء تحالفات إنسانية عابرة للدين والجغرافيا، انطلاقًا من فكرة بسيطة وعميقة: أن إنقاذ الطفل لا يحتاج إلى بطاقة هوية، وأن الألم لا يسأل صاحبه عن دينه أو جنسيته قبل أن يؤلمه. وقد كرّمته جامعة ديوك عام 2026 بجائزة سوليفان تقديرًا لالتزامه بالخدمة والعمل الإنساني.

إن قصة ديفيد حسن ليست قصة طبيب فلسطيني وصل إلى غزة، أجرى عمليات ثم غادر.

إنها قصة إنسان عاد إلى فلسطين من بوابة الطب، فاكتشف أن الوطن يمكن أن يكون جرحًا في الجسد، ودمعة في عين طفل، وصرخة أم، وخيمة تنتظر سقفًا، ومدرسة تنتظر أن يعود إليها الأطفال.

لقد دخل غزة جراحًا للمخ والأعصاب، لكنه خرج منها وهو يحمل في قلبه مسؤولية جراحٍ أكبر: جراحة الألم الإنساني.

وفي زمن تتكاثر فيه الكلمات وتقل الأفعال، يصبح الطبيب الذي يضع علمه في خدمة الإنسان أكثر من مجرد صاحب مهنة.

إنه شاهد، ورسول أمل، وصوت للذين لا صوت لهم.

وربما أجمل ما يمكن أن يقال عن ديفيد حسن هو أن يد الجراح التي اعتادت أن تمسك بالمشرط، تعلّمت في غزة أن تمسك أيضًا بيد طفل خائف، وأن القلب الذي اعتاد أن يراقب دقات القلب والدماغ، أصبح يصغي إلى دقات قلب وطن كامل يبحث عن الحياة.

هذه هي الإنسانية حين تتحول من شعار إلى فعل.

وهذه هي فلسطين حين تعود إلى الإنسان من بوابة إنسان.