نضال، العراقيب، وقُصرة، وكفر برعم!
نشر بتاريخ: 2026/09/02 (آخر تحديث: 2026/09/02 الساعة: 12:15)

هجمات زعران المستوطنين على كل الفلسطينيين، وبخاصة قرية قُصرة الواقعة جنوب شرقي نابلس، لم تنقطع طوال السنين، ولكنها برزت في قصرة في منتصف شهر آب 2026.

هذه الهجمة العنصرية تهدف لتهجير سكان هذه البلدة والاستيلاء على بيوتهم ومزارعهم لتأسيس أربع مغتصبات إسرائيلية على أنقاض هذه القرية، واحتلال ثلاثين كيلو متراً من مساحتها.

ذكرتني هذه الهجمات العنصرية بما جرى في البلدة نفسها يوم 12-1-2014، عندما هاجم عشرات من عنصريي الاستيطان يعيشون في مستوطنة ييش كودش وكيداه بيوت ومزارع قصرة نفسها قبل اثنتي عشرة سنة، واقتلعوا أشجار زيتون القرية، وأشعلوا النيران في بيوتها، ورغم ذلك تمكن شباب قصرة الفلسطينيون من التغلب عليهم، لم يضربوهم ولم يقتلوهم، بل حافظوا عليهم من منطلق أن الفلسطينيين ليسوا إرهابيين، ورفضوا أن يسلموهم للجيش الإسرائيلي بل سلموهم للارتباط الفلسطيني، تذكرتُ أن معظم وسائل الإعلام في العالم أشادت بهذه الفعلة واعتبرتها دليلاً على أن الفلسطينيين حضاريون، وليسوا إرهابيين!

كذلك تذكرتُ مقولة الصحافي حاييم هانغبي، نشرتها صحيفة معاريف يوم 1-7-2001 وهو يصف منسوبي حركة يشع الاستيطانية قال: «يجوب المستوطنون المسلحون شوارع الضفة في دوريات حراسة، الأسلحة جاهزة، ترفرف الأعلام على سياراتهم، يريدون بسط سيطرتهم على السكان، وإبعادهم عن أرضهم، إن الأعلام التي يرفعونها هي أعلام بيت إيل، لم يعد الحديث يدور عن دولة تملك مستوطنات، بل مستوطنات تملك دولة»!

كذلك تذكرتُ أقوال الحاخام الأكبر، دوف ليئور زعيم حاخامي مستوطنة كريات أربع في الخليل قال: «يُسمحُ في الشريعة اليهودية بتدمير غزة كلِّها، لإحلال الهدوء في الجنوب، ومسموحٌ لمن يتعرضون للهجوم أن يعاقِبوا العدو بقطع التيار الكهربي عنهم، وقصف المناطق المُكتظة بالسكان، ومُباحٌ لوزير الدفاع أن يأمر بتدمير غزة، والضفة بغض النظر عن الاعتبارات الإنسانية، فإنها لا تساوي شيئاً في سبيل إنقاذ إخوتنا»!

علَّقت رئيس حزب ميرتس، زهافا غالؤون، على أقوال الحاخام دوف ليئور فقالت: «إن تصريحاته وفتواه، لا تدخل ضمن حرية الرأي، فهو رجلٌ يمتدح القتل الجماعي، على الرغم من أنه شخصية عامة، فهو رئيس حاخامي مستوطنة كريات أربع، وهو من المحرضين على قتل إسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل، أدعو النائب العام لاستجوابه» (جيروساليم بوست، تحقيق جيرمي شارون 23/7/2014)

قال بني موريس وهو من المؤرخين الجدد في مقابلة له مع صحيفة هآرتس 9 - 1 - 2004: «كان بن غوريون من دعاة الترانسفير للفلسطينيين، ظلّ يعتقد باستحالة قيام دولة يهودية، وفيها أقلية عربية» ولما سئل ألا تظن أن الترنسفير عام 1948 هو جريمة حرب؟! ردَّ، بني موريس: «ليس بمقدورك أن تصنع وجبة (العِجَّة) دون أن تكسر البيض، يجب أن توسخ يديك، فلو كنتُ مسؤولاً عن الطرد لما أحسستُ بوخز الضمير، لا بد من طرد الطابور الخامس من البلاد، مَن أبرز أخطاء بن غوريون أنه لم يكمل الترانسفير»!

أما عن أحدث تصريح لوزير المالية الحالي، بتسليل سموتريتش فهو، وفق صحيفة إسرائيل ناشيونال نيوز، يوم 28-8-2026: «سنستقدم مليون يهودي مهاجر وأربعين جالية يهودية لإسكانهم في النقب والجليل لتغيير الميزان الديموغرافي»!

على ضوء هذه التصريحات قال، البروفسور يوسف جبارين رئيس القائمة الموحدة الثلاثية: «على الجماهير العربية أن تشارك جميعها في الانتخابات القادمة للرد على خطة سموتريتش والحكومة اليمينية برئاسة نتنياهو، لأن خطة سموتريتش خطة عنصرية»!

كذلك فإن صحيفة «الاتحاد» الحيفاوية قالت: «هذه الخطة قديمة، يجري إحياؤها على مراحل، وهي حرب جديدة، وتطهير عرقي، هذا التطهير لن يتوقف على غزة والضفة بل إنه طال المواطنين الفلسطينيين، لذا يجب أن نكثف المشاركة في الانتخابات لإفشال مشروع سموتريتش، وإسقاط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة»!

إن مشروع سموتريتش هو نسخة من مشروع، بن غوريون لجلب اليهود من دول العالم وإسكانهم في النقب، وهو مشروعٌ إسرائيلي استراتيجي، لأن، دافيد بن غوريون وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي قرر أن يكون بيته في النقب في (سيديه بوكر) لعدة أسباب؛ أولها أن مساحة النقب أكثر من نصف مساحة فلسطين كلها، ثم إن لصحراء النقب بعداً دينياً وتاريخياً، يشبه التيه اليهودي في صحراء سيناء، يجب أن يعلمه الإسرائيليون لأبنائهم!

النقب عند حكام المستوطنين هي الأرض المدخرة لملايين اليهود في العالم، لذلك أقدمت العصابات الصهيونية عام 1947 - 1948 على ترحيل تسعين في المئة من سكان النقب إلى غزة والأردن ومصر، إن مشروع قانون، برافر- بيغن، الذي أقرَّتْهُ الكنيست بالقراءة الأولى يوم 24 - 6 - 2013 ثم جُمِّدَ بسبب مظاهرات الفلسطينيين وشجب دول العالم سيظل حاضراً على أجندة رؤساء حكومات إسرائيل، هذا المشروع هو مشروع بن غوريون وسموتريتش ونتنياهو بصورة معدلة، يهدف هذا القانون لمصادرة حوالي تسعمائة ألف دونم من ملكيات فلسطينيي النقب، وتهجير حوالي خمسين ألف فلسطيني، بحجة إسكانهم في مدن حضارية!

إن الاستيطان في الدين اليهودي ليس عقيدة سياسية كما يعتقد كثيرون، بل هو عقيدة دينية يهودية رئيسة، لأن أستاذ ومعلم، ثيودور هرتسل لم يكن سياسياً، بل كان حاخاماً دينياً تعود جذوره إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وهو موشيه بن نحمان، المتوفى عام 1270، هذا الحاخام جعل استيطان أرض الميعاد واجباً على كل يهودي، وأن ممارسة شعائر الدين اليهودي لا تجوز في المنفى، بل يجب أن تكون بالتحديد في فلسطين، كما أنه يجوز لكل يهودي أن يطلِّق زوجته إذا رفضت العودة إلى فلسطين! كذلك فإن، الحاخام يهودا القلعي المولود عام 1798 والمتوفى عام 1878م هو أبرز معلمي جَد ثيودور هرتسل، أي قبل أن يعلن هرتسل عن مؤتمره الصهيوني الأول بعدة سنوات، الحاخام يهودا القلعي هو حاخام سفاردي من مؤسسي الصوفية اليهودية الدينية (الكابلاه) هو من أبرز الداعين لتأسيس وطن قومي لليهود في (أرض الميعاد) فقط، زار فلسطين التي كانت تحت الحكم العثماني عام 1852، ثم قرر أن يستقدم عائلته ويؤسس مجتمعاً استيطانياً يهودياً في القدس عام 1874.

نجح هرتسل في إخفاء تأثيرات حاخاميه الأصوليين، بادعاء أنه يهودي يساري ينطق باسم اليهود كلهم، وأن اليهود يتعرضون للإبادة في دول الغرب، وهم يحتاجون لإقامة دولة لهم، ضلَّل، هرتسل كثيرين من الباحثين بادعائه أنه وافق على أن يهاجر يهود العالم إلى أوغندا في المؤتمر الصهيوني السادس 1903، ثم ادعى أنه وافق على أن تكون الهجرة للأرجنتين، ثم للعريش، ثم قبرص، وكان يعرض هذه البلدان لإثارة التعاطف معه باعتباره يهودياً يسارياً متحرراً! غير أن الحقيقة هي أنه كان ملتزماً التزاماً عقدياً دينياً، ملتزماً بأن الهجرة اليهودية يجب أن تكون لفلسطين فقط، لذلك سمى مؤتمره الأول المؤتمر (الصهيوني) نسبة إلى جبل صهيون في القدس!

أكَّدت النصوص الدينية اليهودية على (عقيدة) الاستيطان في الدين اليهودي، هذه العقيدة الدينية هي عهد الله لبني إسرائيل، لأن الحاخام، أبراهام كوك، الأب الروحي لتيار الصهيونية الدينية، والرمبام، موشيه بن ميمون قالا: «استيطان كل أرض إسرائيل هو الطريق الوحيد لعودة الماشيح المنتظر، وتأسيس مملكة داود، إنَّ استيطان أرض الميعاد أكثر أهمية من كل الفرائض الدينية الأخرى»!

أتذكر أنني كتبت عن الاستيطان كثيراً، وكثيراً أيضاً كنت أعود إلى مقال الصحافي الإسرائيلي كوبي نيف في صحيفة هآرتس، وهو يعرض معاناة سكان قريتي، إقرث، وكفر برعم المهجَّرتينِ، وهما قريتان تقعان في الجليل بالقرب من الحدود اللبنانية، مع العلم أن معظم سكان القريتين لم يشتركوا في أي عمل عسكري ضد جيش الاحتلال عام 1948م، وقد (كافأهم الجيش!) وأمرهم بإخلاء القريتين بحجة التدريبات العسكرية مدة أسبوعين فقط، قال الصحافي، كوبي نيف: «أمر الجيش الإسرائيلي سكانَ قريتي، إقرث، وكفر برعم عام 1948 أن يُخلوا بيوتهم، ويرحلوا عنها لضرورات أمنية مدة أسبوعين، لم يُسمح لهم بالعودة بعد أسبوعين، امتدَّ الإخلاءُ من أسبوعين إلى ثلاث سنوات، حتى عام 1951، لجأ أهل القريتين بعد ثلاث سنوات من المماطلة إلى المحكمة العليا التي أصدرت أمراً بالسماح لهم بالعودة، ثم تراجعت عن قرارها، ثم دمرت الطائراتُ الإسرائيلية عام 1953 كفر برعم وإقرث، ثم وُزعت أراضي القريتين على المستوطنين، وفي عام 1972 في عهد حكومة، غولدا مائير رفضت المحكمةُ التماسهم بالعودة، ثم جددوا الالتماس للمحكمة العليا عام 1981، رفضت المحكمة الالتماس بسبب تقادم الزمن! شكَّل، إسحق رابين، عام 1993 لجنة لفحص الشكوى، أوصت اللجنة بعودة سكان القريتين، رفضت المحكمة قرار اللجنة، إن التواطؤ والخداع بين الحكومة والمحكمة هو جوهر العمل في إسرائيل» (هآرتس، يوم 3-12-2016).

أذكركم أخيراً بعنقاء القرى الفلسطينية، والتي غابت أخبارها عن وسائل الإعلام في العالم وحتى في فلسطين للأسف، ولم تعد تُذكر، مع العلم أن عدد مرات تدمير هذه العنقاء بلغ حتى نهاية شهر تموز 2026 مائتين وخمسين مرة، كان أهلُ العراقيب يعيدون بناءها، وهي قرية، العراقيب الفلسطينية في النقب، وهي القرية التي يملك سكانُها الأصليون عقود ملكيتها الموقعة منذ العصر العثماني حتى اليوم!