خاص|| شهادات صادمة من غزة تكشف فوضى توزيع المساعدات النقدية والغذائية
نشر بتاريخ: 2026/09/02 (آخر تحديث: 2026/09/02 الساعة: 19:38)

في ظل الأزمة الإنسانية الخانقة التي يعيشها قطاع غزة، لا تتوقف معاناة المواطنين عند ندرة المساعدات أو محدودية كمياتها، بل تمتد، بحسب شهادات مواطنين تحدثوا لـ«الكوفية»، إلى طريقة توزيعها وآليات الاستفادة منها، وسط شكاوى من تفاوت كبير بين النازحين، وغموض في المعايير التي تحدد المستحقين.

ويقول مواطنون إن عائلات ونازحين في بعض المخيمات ينتظرون أسابيع وأشهرًا للحصول على مساعدات غذائية أو نقدية، في وقت يحصل فيه آخرون على المساعدات بوتيرة أكبر، الأمر الذي يثير تساؤلات حول آليات التوزيع ومدى عدالة وصول المساعدات إلى مستحقيها.

«10% لناس.. و80 و90% لناس»

أحد النازحين تحدث عن تفاوت وصفه بالصادم في وصول المساعدات، مؤكدًا أن ما يصل إلى بعض العائلات لا يتناسب مع حجم احتياجاتها.

ويقول: «بتوصلش كفاية.. في ناس بتاخد 10%، وناس بتاخد 80 و90%»، مشيرًا إلى أن بعض المخيمات، بحسب ما شاهده، قد تمر عليها أشهر دون الحصول على مساعدات غذائية منتظمة.

وأضاف أن هناك مخيمات، وفق شهادته، لم تحصل على أكثر من «كابونة» واحدة خلال نحو ثمانية أشهر، بينما تحصل مناطق قريبة منها على مساعدات أسبوعية أو كل أسبوعين، وأحيانًا أكثر من مساعدة في المرة الواحدة.

ولا تتوقف الشكاوى عند حجم المساعدات، إذ يقول المواطن إن بعض المستفيدين يحصلون عليها بصورة متكررة، بينما يجد آخرون أنفسهم خارج قوائم الاستفادة، مرجعًا ذلك، بحسب اعتقاده، إلى وجود علاقات أو «واسطة».

نازحون بلا خيام.. ومساعدات لا تصل

وتكشف الشهادة أيضًا جانبًا آخر من المعاناة يتعلق بالمأوى. فالمواطن، الذي يقول إنه نزح من منطقة شمال القطاع قرب الأبراج الأميركية، يؤكد أنه اضطر إلى النزوح نحو عشر مرات خلال الحرب.

ويضيف أنه منذ بداية الحرب لم يحصل، برفقة نجله، على خيمة، رغم مشاهدته نازحين آخرين يحصلون على خيام بصورة متكررة.

ويستعيد المواطن تجربة الهدنة الأولى، عندما حصل النازحون، وفق روايته، على خيام من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل أن تتعرض المنطقة التي أقيم فيها المخيم لأعمال تجريف أدت إلى تدمير المخيم وممتلكات النازحين، بحسب شهادته.

ومنذ ذلك الوقت، يقول، لم يحصل على خيمة جديدة، واضطر إلى الاعتماد على أغطية ووسائل بدائية للحماية من الظروف القاسية.

ويشير إلى أن المخيم الذي كان يقيم فيه في منطقة العطاطرة تعرض للتجريف، ما دفع النازحين إلى مغادرته، فيما بقيت احتياجاتهم الأساسية، من مأوى ومساعدات، بلا استجابة كافية، وفق روايته.

«شروط ومعايير».. لكن أين هي؟

ويطرح المواطنون تساؤلات متكررة حول الأسس التي يتم على أساسها تحديد المستفيدين من المساعدات.

ويقول أحدهم إنهم عندما يسألون عن سبب عدم حصولهم على المساعدات، تكون الإجابة بوجود «شروط ومعايير»، لكن دون أن تكون هذه المعايير واضحة بالنسبة لهم أو أن يعرفوا كيف يتم تطبيقها.

وتزداد المشكلة تعقيدًا، بحسب الشهادات، مع المساعدات النقدية، إذ يقول أحد المواطنين إن مبالغ مالية قد تظهر بشكل مفاجئ في محفظته الإلكترونية، فيما تمر أشهر أخرى دون أن يحصل على أي مساعدة.

ويشير إلى أن أسرته تضم سبعة أفراد، وأن المساعدات النقدية انقطعت عنه، بحسب قوله، لنحو أربعة أو خمسة أشهر، بينما حصل آخرون على مساعدات عدة مرات.

ويضيف: «في ناس أخذت خمس مرات وست مرات، وفي ناس ما شفناهن خالص»، مؤكدًا أن مطلبه لا يتجاوز حصول الجميع على حقهم بعدالة.

السكن لدى الأقارب.. هل يسقط حق النازح؟

وتظهر الشهادات كذلك إشكالية أخرى مرتبطة بمكان إقامة النازحين.

أحد المواطنين يقول إنه يمتلك خيمة في منطقة الزوايدة، ويقيم في الوقت نفسه داخل شقة لدى أقارب له، وحين حاول التسجيل للحصول على المساعدة في مخيم قريب، أُبلغ، بحسب روايته، بأن إقامته داخل شقة تحول دون حصوله على المساعدة.

ويرى المواطن أن الإقامة لدى الأقارب لا تعني انتهاء حالة النزوح، خصوصًا بالنسبة لمن فقد منزله بسبب الحرب، مؤكدًا أن وضعه كنازح لا يتغير لمجرد أنه وجد مكانًا مؤقتًا للإقامة.

ويقول إن أشخاصًا آخرين في المبنى نفسه حصلوا على المساعدات، بينما كان هو الوحيد الذي لم يحصل عليها، متسائلًا عن الأساس الذي جرى بناء القرار عليه.

«بدنا كل واحد ياخذ حقه»

ولا يطالب المواطنون، بحسب شهاداتهم، بالحصول على أكثر من احتياجاتهم، وإنما بتطبيق آلية واضحة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بصورة عادلة.

ويقترح أحدهم إنشاء نظام إلكتروني موحد يربط بيانات المستفيدين بالمساعدات التي حصلوا عليها، بحيث يعرف القائمون على التوزيع من حصل على المساعدة، ومتى حصل عليها، وما الذي يستحقه في المرة التالية.

ويختصر المواطن مطلبه بالقول: «اعمل سيستم كامل على الكمبيوتر.. كل واحد ياخذ حقه، إحنا ما بدنا أكثر من حقنا».

وبين نقص الغذاء، وغياب المأوى، وتفاوت المساعدات النقدية، تبدو معاناة النازحين في غزة أكبر من مجرد انتظار شحنة مساعدات جديدة؛ فبالنسبة لهؤلاء المواطنين، تبقى العدالة في الوصول إلى المساعدة جزءًا أساسيًا من الإغاثة نفسها.

وفي ظل استمرار الاحتياجات الإنسانية، تتحول مطالبهم إلى رسالة واحدة: المساعدة يجب أن تصل إلى مستحقيها وفق معايير واضحة وشفافة، دون تمييز أو تفاوت غير مبرر.