إسرائيل في مواجهة الرباعي الغربي
نشر بتاريخ: 2026/09/11 (آخر تحديث: 2026/09/11 الساعة: 15:34)

أبعد ما يمكن أن يقع بين الدول، حتى تلك التي تنشأ بينها حروب، هو أن تتنازع على حدود، أو على مصادر ثروات طبيعية، من قبيل منابع الأنهار، أو آبار النفط أو مناجم الفحم أو الفوسفات، أو ما شابه ذلك، كذلك يمكن أن تقع النزاعات بين القوميات التي تعيش معاً داخل حدود دولة واحدة، وتتباين تلك النزاعات ما بين السعي إلى الاستقلال وضده، فتجري تسوية الأمر بين الدول التي تتنازع على الحدود بالتحكيم الدولي، وبين القوميات المتنازعة داخلياً بإجراء استفتاء على الوحدة أو الانفصال، لكن لم يسجل عبر التاريخ الحديث أن نازع العالم بأسره دولة واحدة، إن كان على سياستها التوسعية، أو على وجودها بحد ذاته، ولم يسبق لدولة اصطدمت مع «العالم» بسبب سعيها إلى التوسع واحتلال دول الغير، أو تنازعت في وجودها مع العالم، إلا وانهزمت.

نقول كل هذا، لنقترب من الصورة التي هي عليها إسرائيل حالياً، في محاولة لقراءة مستقبلها كاحتلال وكدولة، بعد أقل قليلاً من ثمانية عقود على قيامها، وما يقترب من ستة عقود على احتلالها للضفة والقطاع، وإذا كان قيامها نفسه ما زال لا يتمتع بقبول عشرات الدول ومئات الشعوب، فإن احتلالها يقابل برفض كل الدنيا، ورغم ذلك تصر إسرائيل بحكوماتها المتعاقبة على الاحتفاظ بالاحتلال،، ولا أظن أني أبالغ حين أقول: إنه لم يسبق وأن قوبلت دولة بمثل ما قوبلت به إسرائيل منذ إعلانها، ولا تعرضت دولة لهذا الشكل من النزاع السياسي مع معظم العالم، كما هو حال إسرائيل، خاصة هذه الأيام، ولا نقصد بهذه الأيام الإشارة إلى أيام أو أسابيع أو أشهر، ذلك أنه يمكن أن تجد دولة ما نفسها في حالة نزاع مع عدة دول مجاورة، بسبب وقوع نزاع حول قضية ما، لكن سرعان ما تتم تسوية الأمر، وتعود المياه إلى مجاريها.

لكن ما نقصده بهذه الأيام، هو السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، وهي مدة لا تشي بأن ما تواجهه إسرائيل من صدود ورفض دولي كاسح، إنما هو حدث سياسي عابر، صحيح أنه حدث بسبب ما أظهرته إسرائيل من «تغوّل» سياسي وعسكري، تمثّل في شن حرب إبادة على قطاع غزة، وحرب تطهير عرقي على الضفة الفلسطينية، تزامناً في نفس الوقت مع ارتكاب جرائم حرب في لبنان، واعتدائها على سيادة سورية واحتلالها أراضيها، ومن عدوان عسكري غير مشروع، ومخالف للقانون الدولي على اليمن والعراق وإيران وحتى على قطر، وفي السياق تفاصيل، من قبيل قمع المتضامنين الدوليين، وقتل الصحافيين والمسعفين وقصف المدارس والكنائس والمساجد، والقائمة التي تدل على أن إسرائيل باتت اليوم بلا ريب دولة فاشية، تطول بكل معنى الكلمة.

ولو أن النزاع حتى الوجودي اقتصر على فلسطين، أرضها وشعبها، لربما اقتصر التعاطف الدولي، خاصة الشعبي منه، مع فلسطين وشعبها، على التظاهر والتنديد، لكن ما يؤكد أن إسرائيل صارت دولة منبوذة دولياً، هو ما نشهده منذ سنوات من تضاد سياسي، يظهر جلياً بالحروب الكلامية بين قادة إسرائيل وقادة دول العالم، وإذا كان مثل هذا الأمر معتاداً إبان الحرب الباردة بين إسرائيل من جهة وقادة حركات التحرر العربية خاصة، من أمثال جمال عبد الناصر، وصدام حسين، ومعمر القذافي، من جهة، فإن ما ظهر من تنديد قادة إسرائيل برؤساء وزعماء وقادة إسبانيا وفرنسا وإيرلندا وبريطانيا، بعد التنديد بمواقف دول جنوب إفريقيا وقطر وتركيا، وإيران بالطبع، يؤكد أنه لم يعد لإسرائيل من أصدقاء من مشارق الأرض إلى مغاربها، سوى الرئيس الجمهوري الأميركي الحالي دونالد ترامب، وحتى هذا لم يسلم من غمز هنا أو لمز هناك، بسبب موقف عابر فيما يخص ملف إيران أو غزة، أو لبنان أو سورية.

وبالعودة إلى مبتدأ الحكاية، لا بد من التذكير بأن قيام إسرائيل كان على أكتاف الغرب الأوروبي أولاً ثم الأميركي تالياً، ونقصد بالغرب الأوروبي، مثلث القوة العسكرية والاقتصادية منه، أي دول: بريطانيا، فرنسا، وألمانيا، كما لا بد من ملاحظة أن قيام إسرائيل ارتبط بإعلان بلفور الذي جاء في سياق الحرب العالمية الأولى، فيما أعلن قيامها بعد الحرب العالمية الثانية، أي خلال الحرب الباردة، وقد كان وعد بلفور بريطانياً، ثم كان إرساء أساسات الدولة فعلاً إنجليزياً، أي أن بريطانيا لها اليد الطولى في قيام إسرائيل، أما فرنسا، ورغم أنها كانت المنافس التقليدي لإنجلترا على زعامة الغرب، إلا أنها هي من «أمّنت» وجود إسرائيل، حين مكنتها من امتلاك السلاح النووي، وبشكل سري، حتى يكون بعيداً عن عيون الرقابة الدولية، وحتى من وراء ظهر أميركا في ستينيات القرن الماضي.

أما ألمانيا فقد بلغ مجموع ما قدمته من أموال إلى إسرائيل، كتعبير عن الشعور بذنب المحرقة، نحو مائة مليار دولار، وليس لدى ألمانيا ما تقدمه سوى المال، وهي دولة فرض عليها منذ الحرب العالمية الثانية ألا تعيد تسليح نفسها، كما أنها ليست قوة سياسية عظمى، فهي لا تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن كما هو حال فرنسا وبريطانيا، لذلك فأن تجد إسرائيل نفسها في حالة نزاع مع هذه الدول، فهذا لا يعني أن الأمر طبيعي أو عادي، أو حدث عابر.

أما إسرائيل وقد وصلت منذ أربع سنوات خط النهاية مع حكومتها الحالية، والتي تعتبر وفق تقديرات الإسرائيليين أنفسهم، أكثر حكومة يمينية متطرفة في تاريخ الدولة، فإنها ارتكبت خطأ عمرها الذي سيكلفها غالياً، وهو أنها ساوت بين الاحتلال وحدود الدولة، وأنها تعتبر الاستيطان جزءاً من إسرائيل وهو الذي يعتبر وفق القانون الدولي، وحسب كل دول العالم، بما في ذلك أميركا، غير شرعي وتعبير عن الاحتلال وإحدى أهم نتائجه التي لا بد من «تصفيتها» أو إزالتها، حتى يتحقق حل الدولتين، ويحل السلام في الشرق الأوسط، وإسرائيل في سبيل ذلك، أي وهي في حالة «عمى سياسي»، تعتبر الدفاع عن الاستيطان، ومواصلته وتشجيعه، عملاً دفاعياً، لذلك ارتكبت حرب الإبادة في غزة، والتطهير العرقي في الضفة، ولذلك هي تتلقى «لكمات غربية ناعمة».

وبدلاً من أن تحتوي ردود فعل الغرب، الذي كانت حرب إبادة غزة والتطهير العرقي في الضفة سبباً في اصطفاف الناخبين العرب والمسلمين في كل دوله، بما في ذلك أميركا، كما كانت المحرقة سبباً في ظهور اللوبي الصهيوني منذ الحرب الباردة، رافعة انتخابية، لذلك فإن ما أعلنته اثنتا عشر دولة غربية، في مقدمتهم: كندا، بريطانيا، فرنسا وألمانيا من اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد الاستيطان تتجاوز مواقف مجرد الإدانة، ما هو إلا مقدمة أو خطوة أولى على طريق إزالة الاحتلال الإسرائيلي، خاصة من أرض دولة فلسطين، على طريق تفكيك العنصرية والفاشية الإسرائيلية، وإسقاط اليمين المتطرف.

لكن إسرائيل ما زالت ترتكب الحماقة، وخير دليل هو رد فعل جدعون ساعر، وزير خارجيتها الذي اعتبر حكومة بريطانيا العمالية معادية لإسرائيل، وقرر إغلاق قنصليتها في القدس الشرقية، ونسي أن بريطانيا ما زالت دولة عظمى، وتتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وإذا كان البيت الأبيض ما زال هو الوحيد الذي يتفهم إسرائيل ويقف إلى جانبها، فإن ذلك ليس إلا إلى حين، أي إلى حين إجراء انتخابات العام 2028، ذلك أن معظم التقديرات تشير إلى أن ترامب هو آخر رئيس منحاز لإسرائيل، بل ربما إلى حين أقرب من هذا بكثير، أي إلى حين إجراء الانتخابات النصفية للكونغرس، بعد أقل من شهرين.

حالة إسرائيل تذكرنا بالضرورة بما كان عليه نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حين وقف ضد العالم بأسره، وحيث كان التنديد ضد ذلك النظام يجري في كل عواصم العالم، ولم يكن إلى جانبه سوى عرّابه البريطاني، الذي لم يستطع في نهاية المطاف حمايته، ذلك أن القوة يمكنها أن تفرض واقعاً ظالماً أو غير عادل، ولكن إلى حين، وحين تعجز القوة، بعد أن تصل ذروتها، وهذا يحدث الآن مع عجز إسرائيل وأميركا في الشرق الأوسط، فإنه لا محالة من هزيمة القوة وانتصار الحق والعدل.