قمة لم تغيّر العالم، لكنها ربما تساعد على استقراره
نشر بتاريخ: 2026/09/28 (آخر تحديث: 2026/09/28 الساعة: 19:19)

• كانت زيارة القمة التي أجراها شي جين بينغ لواشنطن متوافقةً مع التوقعات، مع الإشارة إلى أن سقف التوقعات لم يكن مرتفعاً جداً؛ فزيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام، كانت في معظمها مراسم ولقاءات رسمية وشرب شاي، لم تكن تهدف إلى حلّ التنافس بين القوتين العظميَين دفعة واحدة. وفعلاً، لم تصدر خلالها تصريحات دراماتيكية، ولم يتم التوصل إلى تفاهمات من شأنها تغيير قواعد اللعبة.

• ومع ذلك، فإن مجرد اختيار الزعيمين توجيه العلاقات نحو قنوات للحوار - في الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا، وحتى بين الجيشين - يمثل إنجازاً بحد ذاته. فالاختبار ليس ما إذا كان التنافس سيختفي، بل ما إذا كان من الممكن إدارته من دون أن يخرج عن السيطرة.

• يمكن قراءة الاستقبال الاستثنائي بطريقتين متناقضتين؛ الأولى باعتباره بادرة احترام لزعيم قوة منافِسة، كبيرة وقوية، وربما حتى اعترافاً أميركياً بالمكانة المتنامية للصين؛ أما الثانية، وهي الأكثر إقناعاً بالنسبة إليّ، فهي أنه كان بمثابة رسالة قوة عسكرية.

• تزامناً مع هبوطه في قاعدة أندروز، حلّقت فوق مراسم الاستقبال قاذفتان استراتيجيتان من طراز 1B-، وفي اليوم التالي، حلّقت فوق البيت الأبيض قاذفة استراتيجية شبحية من طراز B-2، وإلى جانبها أربع طائرات F-22، وهي الطائرات نفسها التي اعترضت المنطاد الصيني في سنة 2023.

• سواء أكان ذلك مصادفة، أم لا، فإن هذه الاستعراضات الجوية بعثت برسالة واضحة لبينغ: أنت ضيف محترم، لكن تستضيفك أقوى قوة عسكرية في العالم، وهذه الرسالة تتلاءم جيداً مع أسلوب ترامب - ثقة أقلّ بالتصريحات المجردة، وقوة أكبر تُعرض أمام العين.

وادي السيليكون حول طاولة واحدة

• ظهرت رسالة مشابهة في قائمة المدعوين إلى مأدبة العشاء الرسمية؛ إذ جلس حول الطاولة كبار مسؤولي التكنولوجيا والصناعة الأميركية: سام ألتمان، من OpenAI، ومارك زوكربيرغ، من Meta، وجنسن هوانغ، من Nvidia، وإيلون ماسك، وليزا سو، من AMD، وجيف بيزوس، إلى جانب الرئيسات التنفيذيات لشركتَي Boeing وGeneral Motors.

• لم تكن مجرد مأدبة احتفالية، بل كانت عرضاً لمصادر القوة الأميركية: الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والبرمجيات، والطيران، والسيارات، ورأس المال.

• أراد ترامب أن يُظهر لضيفه أنه حتى في عصر صعود الصين، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تركيزاً استثنائياً من الابتكار والصناعة والقوة الاقتصادية.

شي يتحدث عن التعاون ويوجّه رسائله إلى اليابان

• من جانبه، واصل شي بصورة طبيعية النبرة المتفائلة والإيجابية بشأن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. وطبعاً، لا يُتوقع من ضيف أن يتحدث بشكل صريح ضد مضيفه، وبالتأكيد، ليس عندما يكون المضيف دونالد ترامب، لكن لكي يضمن أن تفهم واشنطن موقف بكين جيداً، نشر السفير الصيني لدى الولايات المتحدة، قبل يوم من زيارة شي، مقالاً عرض فيه بوضوح الخطوط الحمراء الأربعة للصين: تايوان، وحقوق الإنسان، والنظام السياسي الصيني، واستمرار تطوّر الصين وتقدّمها.

• وتطرّق شي في كلماته، سواء خلال مراسم الاستقبال، أم مأدبة العشاء، إلى أن البلدين ليسا مضطرَين إلى الوقوع في فخ ثوقيديدس - وهي النظرية التي تفترض أن صعود قوة عظمى جديدة وتراجُع قوة عظمى قائمة ربما يقودان حتماً إلى مواجهة عسكرية.

• وعلى السطح، تبدو هذه الرسالة تصالحية، لكن يمكن أيضاً اعتبارها تكراراً للرسالة الصينية القائلة إن الولايات المتحدة قوة آخذة في التراجع بصورة لا رجعة فيها، بينما الصين والشرق في حالة صعود لا يمكن إيقافها.

• وفي موازاة ذلك، وفي ظل تصاعُد التوتر بين الصين واليابان، اختار شي مهاجمة طوكيو - بصورة غير مباشرة ودبلوماسية - وربما محاولة إضعاف التحالف بين الولايات المتحدة واليابان قليلاً.

• كانت النبرة لطيفة نسبياً عند هبوطه؛ إذ أشار شي إلى القتال المشترك بين الولايات المتحدة والصين خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه أشار أيضاً في الكلمة التي ألقاها في بداية مأدبة العشاء المشتركة، وبصراحة، إلى القتال ضد اليابانيين والعدوان الياباني خلال الحرب العالمية الثانية.

• وكُرِّرت الرسالة مرات عديدة: الولايات المتحدة والصين قاتلتا معاً ضد اليابان، ومن الصعب تجاهُل احتمال أن يكون ذلك محاولة لتذكير الأميركيين بأن اليابان كانت عدواً مشتركاً للبلدين في الماضي، وبالتالي تقديم اليابان بصورة سلبية أكثر، وتحديداً أمام حليفتها الأميركية.

• لكن ذلك لم ينجح، إذ أفادت الأخبار بأن محادثة جرت بين الرئيس ترامب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكائيتشي، مباشرةً بعد انتهاء زيارة الرئيس شي، وجرى خلالها الحديث عن مواصلة تعزيز التحالف بين الولايات المتحدة واليابان.

• هناك مجال يمكن رؤية اتجاه إيجابي فيه، وهو التنافس على الذكاء الاصطناعي، المجال الذي سبق للزعيمين أن عبّرا عن أهميته الاستراتيجية، بل ربطاه بمسألة التفوق المستقبلي للقوى العظمى. وهنا أيضاً شدّد كلّ طرف في ملخصه على نقطة مختلفة قليلاً؛ شددت الولايات المتحدة على الاتفاق على استخدام مصطلح ترامب "الذكاء الفائق (Super-intelligence)"، بينما شددت الصين على أهمية إبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية.

• لكن بعيداً عن الاختلافات، هناك نقطة مهمة هنا: يبدو كأن هناك اتفاقاً على الحاجة إلى قناة اتصال مخصصة بين القوتين العظميَين في هذا المجال الحسّاس.

• صحيح أننا لم نشهد اتفاقاً، أو آليةً للتنسيق والرقابة، شبيهة بالآليات التي عملت في الماضي بين القوى العظمى في مجال الأسلحة النووية. ومع ذلك، فإن مجرد حقيقة أن القوتين الرائدتين في هذا المجال تتحاوران بشأن ضرورة إدارة التنافس بينهما تمثل تطوراً مهماً. وفي ظل منافسة ستزداد حدّةً بمرور الوقت، ربما تكون القدرة على الحوار مهمة بقدر القدرة على التنافس.

• وأخيراً، هناك نقطة ربما تبدو هامشية، لكنها مهمة، في رأيي: توقُّع عقد لقاءين إضافيَّين بين ترامب وشي خلال هذا العام؛ فمن المتوقع عقد اللقاء الأول خلال قمة APEC في تشرين الثاني/نوفمبر في الصين. وسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان ترامب سيحضر فعلاً، وخصوصاً في ضوء الحضور المتوقع للرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ أمّا اللقاء الثاني، فمن المتوقع أن يُعقد على هامش قمة مجموعة العشرين (G20)في ميامي في كانون الأول/ ديسمبر، وإذا عُقد اللقاءان فعلاً، فسيكون ذلك عدداً استثنائياً من الاجتماعات بين رئيسَي الولايات المتحدة والصين خلال عام واحد. وفي الواقع، أرى أن مجرد عقد هذه اللقاءات أهم من مسألة توقيع اتفاق من نوع أو آخر خلالها. وتكمن أهميتها في مستويَين: الأول، أن اللقاءات تبعث برسالة للأجهزة الحكومية في البلدين، مفادها بأن هناك رغبة في اللقاءات والحوار، بل ضرورة، ولهذا أهمية خاصة في النظام الهرمي الصيني، بحسب ما قال لي ذات مرة باحث صيني، تحاول المنظومة فهم إرادة الزعيم وتنفيذ الرسائل الآتية من أعلى الهرم بأفضل صورة ممكنة.

• أمّا المستوى الثاني، فهو عملي أكثر: اللقاء بين الرئيسين يفرض سلسلة من الاجتماعات التحضيرية بين مختلف الأجهزة والمؤسسات في البلدين. يلتقي المسؤولون، وتُفتح قنوات الاتصال، ويجري توضيح حالات سوء الفهم، وتنشأ علاقات شخصية ومهنية. هذه الأمور كلها لا تحلّ التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، ولا تغيّر حقيقة استمرار القوتين العظميَين في التنافس في كلّ مجال مهم تقريباً - الاقتصاد، والتكنولوجيا، والجيش، والتجارة والنفوذ العالمي.

• لكنها ربما تتيح للبلدين إدارة هذا التنافس بصورة أفضل، ويمكن أن تسمح لهما بخفض مستوى التصعيد وتوجيه الموارد والاهتمام إلى مجالات أُخرى - انتخابات التجديد النصفي والحرب مع إيران من الجانب الأميركي، وتهدئة الجبهة مع القوة الأكثر تأثيراً في طموحات الصين المتعلقة بالتنمية والتقدم من الجانب الصيني؛ ربما لا تكون هذه بداية صداقة رائعة، بل هدنة موقتة لمواصلة التنافس.