خاص|| ماذا ترك السابع من أكتوبر في الوعي الغزي؟
نشر بتاريخ: 2026/10/07 (آخر تحديث: 2026/10/08 الساعة: 02:29)

غزة: لم يكن السابع من أكتوبر 2023 يوماً عابراً في ذاكرة غزة، بل شكّل نقطة فاصلة أعادت تشكيل وعي جيل كامل تجاه الحرب، والسياسة، والمستقبل، وحتى معنى الأمان نفسه. وبعد ثلاثة أعوام من الحرب وما رافقها من قتل ودمار ونزوح وفقدان، لم يعد السؤال في غزة مقتصراً على ما حدث في ذلك اليوم، بل على ما تركه من آثار عميقة في وعي الإنسان الغزي ونظرته إلى الحاضر والمستقبل.

من صدمة اللحظة إلى ذاكرة الحرب

دخل سكان قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر في تجربة استثنائية من العنف والنزوح وانهيار مقومات الحياة. وبالنسبة للأطفال خصوصاً، لم تعد الحرب حدثاً سياسياً بعيداً، وإنما أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: منزل مفقود، مدرسة مغلقة، قريب رحل، ونزوح متكرر بحثاً عن مكان أكثر أمناً.

وتشير دراسة حديثة لليونيسف، استندت إلى تقييم أُجري أواخر 2025 ومطلع 2026، إلى انتشار واسع للضيق النفسي والاجتماعي بين الأطفال ومقدمي الرعاية في غزة، مع ظهور اضطرابات النوم والتبول اللاإرادي والعدوانية والانسحاب لدى نسب ملحوظة من الأطفال، وبدأت 92% من الحالات التي رصدها التقييم بعد أكتوبر 2023.

وبذلك، تركت الحرب أثراً يتجاوز الخسائر المادية، لتصبح جزءاً من الذاكرة الشخصية والعائلية لجيل كامل.

وعي جديد بالأمان والخسارة

أحد أبرز التحولات التي فرضتها الحرب هو إعادة تعريف مفهوم الأمان. فالمكان الذي كان يُنظر إليه باعتباره ملاذاً يمكن أن يصبح هدفاً، والنزوح الذي كان استثناءً أصبح بالنسبة إلى ملايين الفلسطينيين تجربة متكررة.

وفي أحدث تقارير الأمم المتحدة، ما زالت أوضاع السكن والنزوح في غزة شديدة الهشاشة؛ إذ يعيش نحو 279 ألف شخص في مواقع معرضة للفيضانات، فيما يقيم آخرون في مبانٍ صنفت على أنها غير آمنة وتحتاج إلى الهدم.

هذه التجربة لا تنتهي بانتهاء القصف؛ لأنها تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان، وبالبيت، وبفكرة المستقبل.

السياسة لم تعد منفصلة عن لقمة العيش

لكن الوعي الغزي الذي تشكل بعد السابع من أكتوبر لا يمكن اختزاله في الصدمة أو الألم. فاستطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خلال الحرب وبعدها تظهر أن مواقف الغزيين السياسية شهدت تغيرات وتناقضات واضحة مع مرور الوقت.

ففي استطلاع أُجري في أكتوبر 2025، بقيت المواقف تجاه قرار السابع من أكتوبر منقسمة، مع تسجيل 44% من سكان غزة تأييداً لقرار شن الهجوم، بينما أظهرت النتائج أيضاً أن سكان القطاع كانوا أكثر استعداداً من سكان الضفة الغربية للتعامل مع ترتيبات سياسية وحلول عملية لإدارة غزة.

وتكشف هذه النتائج عن وعي سياسي أكثر تعقيداً: فالتجربة القاسية لم تُلغِ الاعتبارات الوطنية لدى قطاعات واسعة، لكنها جعلت أسئلة الحياة اليومية، والأمن، وإعادة الإعمار، وإدارة القطاع، جزءاً أساسياً من التفكير في المستقبل.

بين رواية المقاومة وكلفة الحرب

أعاد السابع من أكتوبر أيضاً فتح نقاش داخلي فلسطيني حول العلاقة بين المقاومة وكلفة المواجهة. فمع استمرار الحرب وتراكم الخسائر، لم تعد المواقف العامة ثابتة، بل تحركت صعوداً وهبوطاً تبعاً لتطورات الميدان والواقع الإنساني والسياسي.

وتظهر بيانات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن تأييد قرار السابع من أكتوبر بين سكان غزة تراجع في مراحل معينة من الحرب، قبل أن يسجل ارتفاعاً لاحقاً؛ ففي مايو 2025 بلغ 38%، بينما ارتفع إلى 44% في أكتوبر من العام نفسه.

وهذا التذبذب مهم؛ لأنه يعكس أن الوعي الغزي ليس كتلة سياسية واحدة، وأن تقييم الحرب ونتائجها يتداخل فيه الانتماء الوطني مع التجربة الشخصية المباشرة، وحجم الخسارة، والظروف الإنسانية، والرؤية للمستقبل.

جيل كامل يحمل ذاكرة مختلفة

ربما يكون الأثر الأعمق للسابع من أكتوبر هو ما تركه في وعي الأطفال والشباب. فاليونيسف تشير إلى أن نحو مليون طفل في غزة تعرضوا لتجارب صادمة خلال الحرب، بعدما فقد كثير منهم آباء وأفراداً من عائلاتهم ومنازلهم ومدارسهم ومساحات اللعب.

وهذا يعني أن آثار السابع من أكتوبر لن تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية أو بدء إعادة الإعمار؛ فالجيل الذي عاش الحرب سيحمل معه أسئلة مختلفة عن الوطن، والعدالة، والأمان، والهجرة، والقيادة، والعلاقة مع العالم الخارجي.

ما بعد السابع من أكتوبر: غزة تبحث عن معنى جديد للمستقبل

بعد كل ما حدث، يبدو أن الوعي الغزي يقف أمام معادلة شديدة التعقيد: التمسك بالحقوق الوطنية من جهة، والرغبة في حياة آمنة ومستقرة من جهة أخرى؛ رفض واقع الاحتلال والحصار من جهة، والبحث عن صيغة سياسية تنهي دوامة الحرب من جهة ثانية.

وفي استطلاع أكتوبر 2025، أظهر الغزيون انفتاحاً أكبر من سكان الضفة على بعض الترتيبات العملية لإدارة القطاع، بما في ذلك تنسيق السلطة الفلسطينية لعمل لجنة من الخبراء والمهنيين، وهو ما يعكس اهتماماً متزايداً بسؤال "كيف تُدار غزة؟" إلى جانب سؤال "من يقود الصراع؟".

وهنا ربما تكمن إحدى أهم نتائج السابع من أكتوبر: فقد انتقل النقاش في غزة من مجرد انتظار نهاية الحرب إلى سؤال أكثر اتساعاً حول شكل الحياة بعدها.

ترك السابع من أكتوبر في الوعي الغزي ذاكرة ثقيلة لا يمكن اختزالها في موقف سياسي واحد. إنها ذاكرة فقد ونزوح ودمار، لكنها في الوقت ذاته ذاكرة وطنية وسياسية أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة: كيف يمكن حماية الإنسان الفلسطيني؟ كيف تُصان حقوقه الوطنية؟ ومن يدير غزة بعد الحرب؟ وكيف يمكن الانتقال من مجرد البقاء إلى بناء حياة قابلة للاستمرار؟

وبينما تبدأ مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ستبقى المعركة الأصعب هي إعادة بناء الإنسان نفسه؛ إنسانٍ يحمل ذاكرة الحرب، لكنه يحتاج أيضاً إلى مستقبل لا تكون فيه الحرب قدره الدائم.