الحوار الوطني شراء للوقت لتأجيل الإنتخابات...وهم سيتبدد
نشر بتاريخ: 2026/10/11 (آخر تحديث: 2026/10/12 الساعة: 00:30)

حتى الآن أحاول أن أستوعب موقف الإخوة في حركة حماس: لماذا أعطوا الرئيس عباس غطاءً لتأجيل الانتخابات؟ وما الوعود التي حصلوا عليها بشأن فهم الرئيس عباس للشراكة وللحوار الوطني الذي استُنفد منذ سنوات؟! وهل هناك ثقة بأن الرئيس عباس سينفذ هذه المرة ما يتم الاتفاق عليه؟! ولماذا لم يتم وضع شرط تشكيل القيادة المؤقتة لمنظمة التحرير قبل أي تأجيل؟ ولماذا لم يُصرّ الإخوة في حماس على ألا يكون هناك غطاء لتأجيل الانتخابات إلا بحضور التيار الإصلاحي على طاولة الحوار، حتى لو كانت الحجة أن الأمر مسألة فتحاوية داخلية؟!

بصدق، من يريد فعلًا الحوار الوطني والشراكة، كان عليه أن يؤكد أهمية استمرار العملية الانتخابية، بحيث تجري الانتخابات جنبًا إلى جنب مع الحوار الوطني، وألا يكون هذا المسمى حوارًا بديلًا عن الانتخابات.

كانت الانتخابات فرصة لتشكيل أداة كفاحية في مواجهة الاحتلال، الذي كان ولا يزال يريد تعطيلها، بحيث تعمل هذه الأداة على شحذ همم الجمهور الفلسطيني، وبالذات في الضفة الغربية، وكذلك تعرية دولة الكيان أكثر فأكثر أمام الرأي العام العالمي، وكشف كيفية عمل الاحتلال على منع الانتخابات وملاحقة صناديق الاقتراع، بل وربما اتخاذ خطوات أبعد من ذلك.

كانت الانتخابات ستعيد وحدة النظام السياسي الفلسطيني عبر ربط غزة والضفة والقدس من خلال المجلس التشريعي، الذي ستنبثق عنه حكومة فلسطينية واحدة، مما سيؤدي إلى تحول وظيفة «مجلس السلام» ليصبح أداة أمنية واقتصادية بعيدة عن السياسة، وإلى تحول اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتصبح جزءًا من الحكومة الفلسطينية، كتحصيل حاصل، كون الشعب الفلسطيني في جناحي الوطن انتخب ممثليه الذين سيقررون طبيعة الإدارة السياسية التي ستقوده.

لا أحد يقف ضد أي حوار، مهما كانت طبيعته، ولكن حوار الفصائل لا يكون على حساب الشعب ولا على حساب العملية الديمقراطية. كما أن سنوات من الحوار لم تنتج شيئًا، فهل هناك ثقة بأن صاحب الانقسام ومن تخلى عن غزة قد استيقظ مرة واحدة، وأصبح لديه وعي بالمسؤولية الوطنية؟!

شعر الكثيرون بالخذلان من جراء إعطاء غطاء لتأجيل الانتخابات، وكان من المفترض الإصرار على إجرائها، والذهاب ضمن ائتلاف وطني من أجل فرض أمر واقع، لا الارتهان إلى وعود لن تُنفذ.

تأجيل الانتخابات بغطاء من بعض الفصائل كان ضربة لكل من راهن على فصائل المقاومة بالذات. صحيح أن الظروف صعبة ومعقدة، لكن فرصة الانتخابات كانت كفيلة بإحداث نقلة نوعية في النظام السياسي، ومنع التعامل مع غزة كما كان يحدث سابقًا، حيث تفرض الشراكة نفسها عمليًا من خلال الانتخابات، بدلًا من استجدائها عبر ما يُسمى الحوار الوطني.

الانتخابات حق سُلب منذ أكثر من عشرين عامًا، والحوار لا يمكن أن يكون بديلًا عن صندوق الاقتراع، كما أنه ليس بديلًا عن المواطن الفلسطيني، صاحب الحق الأول في أن يقرر من يمثله ويقوده. فالشعب هو مصدر السلطات، والفصائل، التي هي جزء من الشعب، لا يحق لها سلب إرادة الشعب ككل.

كلنا مع الحوار والتوافق والاتفاق، ولكن ذلك ليس بديلًا عن صندوق الاقتراع. والتأجيل لمدة عام هو إقرار بعدم أهلية الشعب، تحت ذريعة الظروف، رغم أن الجميع يعلم أن هذه الظروف قد تسوء أكثر مما هي عليه اليوم. لذلك، فإن من يعتقد أنه يشتري الوقت بتأجيل الانتخابات هو واهم، وسوف تتبدد تلك الأوهام عندما يصطدم الحوار بالمصالح على حساب الوطن والمواطن.