أنقذوا جنيني.. وطن
نشر بتاريخ: 2026/10/13 (آخر تحديث: 2026/10/13 الساعة: 15:41)

​أنا لا أكتبُ إليكم.. أنا أنزف.

​أنا امرأةٌ تمشي بكفنها منذ عشرين عاماً، وأحملُ في أحشائي وطناً ينبضُ بالوجع.

​عشرون عاماً والجنينُ يكبرُ في أحشائي ويتحلل.

غرسوا له ساقاً غريبةً في الضفة، وقطعوا ساقه الأخرى في غزة.

منحوه وجهين لا يشبهان الشرف:

وجهٌ يبتسمُ في صالات الموتمرّات، ووجهٌ يبكي في طينِ الخيام!

​أيّ أرحامٍ هذه التي تحتملُ جنيناً مصلوباً بين موتين لعشرين عاماً؟!

​وحين اقتربَ المخاض، وحسِبتُ أنني سألبسُ مولودي ثوبَ الحياة، دلفَ إليّ ذلك العجوز.. ببدلته الأنيقة، وربطة عنقه المشدودة على خناقنا، وبيده مرسومُ الإلغاء.

​لم يضع سَماعةً على بطني.. لم يسأل عن نبض قلبي ولا نبض الجنين.

وبدمٍ أبردَ من شتاء الخيام، وقّع قرارَ إعدامنا:

«تُؤجّلُ الولادةُ حتى الحادي عشر من سبتمبر لعام ألفين وسبعة وعشرين.. وفي حال موتِ الجنين، فإنّ تكاليفَ الجنازةِ على نفقتنا!»

​صرختُ في وجهه:

يا دكتور.. الجنينُ يرفس، وأنا أتمزق!

لكنه أغلق الباب.. ومضى.

​كان يهمّني أن يعلم أنني لن أحتمل شتاءً آخر تحت هذا القماش الممزق..

أردتُ أن أقول له إن صدري ضاق، وإن أطفالي لا يتغذون إلا على الخوف والبرد..

لكنه لم ينصت.

طَمأنني بتابوتٍ مجاني، وجرّدني من حق الميلاد!

​ذلك العجوز الذي اقتات على عقودٍ من القهر، لم تعد تؤرّقه فكرة أن نلدَ أجنة مشوهة أو نموتَ في شوارع الشتات قبل أن يكتمل المخاض.

​يا قومي.. يا مَلاذي ويا بقيةَ رمقي:

​أنا لا أطلبُ رغيفاً ولا خيمة.. أنا أطلبُ حياةً لِما في بطني!

​هل تملكون حقنةَ طلقٍ واحدة؟

حقنةً من كبرياء تُعجلُ بالولادةِ قبل أن يلتفّ الحبلُ السرّي حول رقبة هذا الوطن؟

​هل تملكون صرخةً واحدة.. صرخةً مدويةً تقول له: «كفى»؟

​أنقذوا جنيني اليوم..

أنقذوا الوطن..

قبل أن تغرقوا جميعاً في نزيف جنازته!