غزة.. مدينة تبحث عن وجهها بين الركام والخيام من شوارع الشجاعية المفقودة إلى خيام النزوح.. ذاكرة وطن لا تتخلى عن حق العودة
نشر بتاريخ: 2026/11/01 (آخر تحديث: 2026/11/01 الساعة: 20:38)

تركنا وجوهنا في بيوتنا، وارتدينا وجوهاً رمادية تشبه غبار الحرب. رحلت أرواحنا في سراديب الركام، وتاهت ملامحنا بين الخيام وطرقات النزوح. لم نغادر المكان وحده، بل تركنا خلفنا أعماراً وتفاصيل صغيرة كانت تصنع معنى الحياة.

طفلة تفتش عن لعبتها التي ابتلعها الركام، وتصرخ كلما رأت لعبة تشبهها، كأنها تبحث عن رفيقة طفولتها. وعجوز تسعينيّ ينادي على عكازه المبتور، يتلمس جداراً لم يعد موجوداً، ويبحث عن باب بيته الذي كان يعرف طريقه إليه حتى وإن كان مغمض العينين.

وشاب يبحث عن جناحيه المقصوصين، ليحلق بهما في سمائنا السوداء، بعدما سقطت أحلامه بين الحجارة، وضاعت سنوات عمره في رحلة لا يعرف نهايتها. وأمّ تحمل طفلاً نائماً على كتفها، تنتقل به من خيمة إلى أخرى، تبحث عن مساحة جافة تقيه المطر، بعدما صار السقف حلماً والدفء أمنية.

امرأة تحفر بأظافرها في الركام، تبحث عن زوجها وأطفالها المدفونين تحت الأنقاض، وتجمع ما تبقى من عظامهم في محرمة الوجع والفقد، وتضمها إلى صدرها كأنها تحاول أن تعيد للحياة نبضاً غادر المكان. وعلى مقربة منها أب يحتفظ بمفتاح بيته، يخرجه كل مساء من جيبه، يتأمله طويلاً، ثم يعيده إلى مكانه، وكأنه يخشى أن ينسى شكل الباب الذي لم يعد قائماً.

تعانقت شوارعنا تحت وطأة القصف، وانهارت بيوتنا فوق أحلام ساكنيها، وتحولت أحياء بأكملها إلى ركام. بحثت عن شارعنا في حي الشجاعية، ذلك الشارع الذي حفظ خطوات طفولتي وضحكات أطفالنا ووجوه جيراننا، فلم أجده. قلّبت صور الأقمار الاصطناعية، لعلني أعثر على أثر يدلني إليه، لكن الركام سبقني، وابتلعت الحجارة ملامح المكان. كأن الشارع لم يكن يوماً، وكأن البيوت التي احتضنت أعمارنا تحولت إلى ذاكرة معلقة في سماء الفقد.

هناك، في الشجاعية، خفتت نداءات الاستغاثة تحت الركام، وتاهت الصرخات بين أنياب الليل المخيف. كان أناس ينتظرون يداً تمتد إليهم، وأمهات ينادين أبناءهن، وأطفال يفتشون عن صوت يعرفونه. كان الليل طويلاً، وكانت المسافة بين صرخة وأخرى بحجم مدينة كاملة.

وهناك طالب جامعي يحمل شهاداته في حقيبة صغيرة، لا يعرف أين سيكمل دراسته، وطفل يكتب واجباته على قطعة كرتون داخل خيمة، يحاول أن يقنع نفسه بأن المدرسة لم تختفِ، وأن السبورة ستعود يوماً. ومسنّة تحتفظ بصورة عائلتها بجوار رأسها، وتعدّ أسماء الغائبين قبل أن تغفو، لعل أحدهم يعود في المنام.

هكذا تحولت المدينة إلى خيام، والشوارع إلى ممرات للبحث عن الماء والخبز والدواء، والبيوت التي كانت تجمع العائلات صارت عناوين في ذاكرة أصحابها. لم تعد غزة مدينة من حجر وشوارع فحسب؛ إنها مدينة من الحكايات الموجعة، ووجوه تنتظر، وقلوب تسكن تحت أنقاض البيوت.

وبين خيام النزوح ومشارف البيوت المهدمة، يبقى السؤال معلقاً في سماء غزة: هل تذوب مكعبات الثلج الصفراء على مشارف الوطن؟ وهل تنفتح الطرق أمام العائدين، أم يصبح النزوح فصلاً جديداً من حكاية الانتظار؟ نحن لا نريد أن نتعلم جغرافيا الخيام، بل نريد أن نستعيد جغرافيا بيوتنا وشوارعنا وأحيائنا، وأن نرى طريق العودة مفتوحاً أمام أطفالنا وعائلاتنا.

لكن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وليس قدراً يجب أن يتحول إلى واقع دائم. إنه اقتلاع للإنسان من تفاصيل حياته وحقه في الأمان والاستقرار. فالعودة ليست حنيناً عاطفياً إلى جدران مهدمة، بل حق في استعادة المكان والكرامة، وفي إعادة بناء البيوت والمدارس والمستشفيات، وترميم ما تهدم في الإنسان قبل الحجر.

وفي لحظة صمت بين أنقاض الذاكرة، تخيلت ابني ساري يهبّ من بين الركام، ينفض عن كتفيه غبار الحرب، ويمد ذراعيه ليعانقني من جديد. تخيلت أن المسافة بين الفقد واللقاء تختصرها خطوة واحدة، وأنني سأسمع صوته يناديني كما كان يفعل، فأضمه إلى صدري طويلاً، وكأن العالم لم يخطفه مني ذات يوم. تمنيت لو تتوقف حكاية الموت عند تلك اللحظة، وتنتهي حكاية الفقد، وتعود روحي التي بُترت يوم غاب ساري. لكنني أفتح عينيّ، فأجد الركام كما هو، وأجد حضوره في قلبي أكبر من الغياب.

في كل خيمة حكاية، وفي كل وجه غائب وطن، وفي كل طفل سؤال أكبر من عمره: متى نعود؟

نحن لا نبحث عن خيمة أوسع، ولا عن محطة نزوح جديدة؛ نبحث عن حقنا في الحياة، وعن صباح لا توقظه أصوات القصف، وعن باب نعود منه إلى بيوتنا، لا إلى خيمة أخرى.

فغزة ليست خيمة على هامش الجغرافيا، وليست مدينة عابرة في ذاكرة التاريخ؛ إنها وطن يسكن أهله، وذاكرة لا تمحوها الحروب. قد تهدم البيوت، وتُقتلع الأشجار، وتتبدل عناوين الشوارع، لكن الإنسان يظل يحفظ طريق العودة، مهما طال ليل النزوح، ومهما تكاثرت فوق دروبه الحواجز والركام