نشر بتاريخ: 2025/12/24 ( آخر تحديث: 2025/12/24 الساعة: 12:04 )
بقلم: شريف الهركلي

حين يصبح الضمير إسعافًا… الصليب الأحمر في قلب جراح غزة

نشر بتاريخ: 2025/12/24 (آخر تحديث: 2025/12/24 الساعة: 12:04)

الكوفية منذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب على قطاع غزة، لم يكن المشهد مجرّد مواجهة عسكرية عابرة، بل مأساة إنسانية مفتوحة على كل أشكال الألم. مدن تُقصف حتى التلاشي، بيوت تُمحى من الذاكرة، مستشفيات تُستنزف حتى العجز، وإنسان فلسطيني يُترك وحيدًا في مواجهة قدرٍ ثقيل. وسط هذا الركام، حضرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا بوصفها طرفًا سياسيًا، بل كضميرٍ إنساني يحاول أن ينتشل ما يمكن انتشاله من حياةٍ تحت النار.

إنقاذ ما تبقّى من الأرواح

مع الساعات الأولى للحرب، باشرت فرق الصليب الأحمر عملها الميداني في ظروف بالغة الخطورة. دعمت المستشفيات المنهكة التي كانت تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، وساهمت في إجلاء الجرحى ونقل المصابين، في وقتٍ كانت فيه سيارات الإسعاف نفسها هدفًا مباشرًا. كان الهمّ الأول هو الإنسان، قبل أن تتسع رقعة الكارثة وتتعقّد حساباتها.

مستشفى رفح الميداني… طبٌّ تحت القصف

في قلب الجنوب الجريح، واصل مستشفى الصليب الأحمر الميداني في رفح أداء دوره الإنساني رغم النار والضغط الهائل. المستشفى، الذي تبلغ سعته 120 سريرًا، أُنشئ بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وبدعم من 15 جمعية وطنية، ليكون رافعة أساسية لدعم القطاع الصحي المنهك.

ومنذ افتتاحه في أيار/مايو 2024، قدّم المستشفى أكثر من 177 ألف استشارة طبية، وتعامل مع أكثر من 800 حالة ولادة، وأجرى ما يزيد على 11 ألف إجراء جراحي، كان معظمها لمصابي الحرب. أرقام لا تُقرأ كإحصاءات جامدة، بل كشهادات حيّة على معركة يومية مع الموت، يخوضها ملائكة الرحمة من أطباء وممرضين بأدوات شحيحة وإرادة لا تنكسر.

حماية المدنيين ولمّ شمل العائلات

لم تتوقف جهود اللجنة الدولية عند حدود الطوارئ الطبية، بل امتدت إلى جوهر رسالتها الإنسانية: حماية المدنيين وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني. عملت على إعادة الروابط العائلية التي قطعتها الحرب، ولمّ شمل الأطفال بذويهم، وتيسير التواصل بين العائلات المشتتة داخل القطاع وخارجه. ففي غزة، لا يقلّ الفقد النفسي قسوة عن الفقد الجسدي، ولا يقلّ الانتظار ألمًا عن الإصابة.

الغذاء والخبز… معركة البقاء اليومية

ومع اشتداد الحصار وتفاقم النزوح، تحوّل الصليب الأحمر إلى شريان حياة يومي. دعمت اللجنة الدولية مطابخ مجتمعية وأفرانًا جماعية لإنتاج الخبز، شكّلت مصدر بقاء لمئات العائلات التي تواجه الجوع في ظروف قاهرة. ورغم الجهود المبذولة، ما زالت هذه الخدمات تعمل تحت ضغط شديد، وتحتاج إلى زيادة كبيرة في الإمدادات لتوسيع نطاق الاستجابة وتلبية الاحتياجات المتفاقمة.

الإغاثة الشتوية: مواجهة البرد تحت الخيام

خلال الأسابيع الماضية، وزّعت اللجنة الدولية مساعدات شملت مواد النظافة الشخصية والمنزلية، ومستلزمات الإيواء، والبطانيات، والمراتب، والخيام، في محاولة لتخفيف قسوة الشتاء عن مئات العائلات. ومع ذلك، تبقى الحاجة أكبر من الإمكانات، ويفرض الواقع حلولًا أوسع وأطول أمدًا، لأن الإغاثة وحدها لا تكفي في حربٍ طالت أكثر مما يحتمل البشر.

المياه والصرف الصحي… إنقاذ الصحة العامة

وفي مواجهة الفيضانات الأخيرة التي فاقمت معاناة السكان، عملت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع شركائها المحليين على إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، وقدّمت مضخات متنقلة لمياه الصرف لإزالة تجمعات المياه، في محاولة للحد من انتشار الأوبئة وحماية ما تبقّى من الصحة العامة في بيئة تكاد تكون غير صالحة للحياة.

الدعم النفسي… الجرح غير المرئي

في غزة، لا تُقاس الخسائر بعدد الشهداء وحدهم، بل بعدد الأرواح التي بقيت حيّة وهي محمّلة بالخوف والصدمة. هنا، كان للصليب الأحمر حضوره الإنساني الهادئ، عبر تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا للأطفال الذين سرقت الحرب طفولتهم. كان الاحتواء فعل مقاومة، وكان الإصغاء ضرورة لا تقل أهمية عن الدواء.

الشهادة الأخلاقية على المأساة

إلى جانب العمل الإغاثي، أدّت اللجنة الدولية للصليب الأحمر دور الشاهد الأخلاقي، من خلال نقل حقيقة الواقع الإنساني إلى العالم، والتذكير المستمر بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، والمرافق الطبية، والعاملين في الحقل الإنساني. شهادة لا ترفع السلاح، لكنها تفضح الصمت، وتُحرج التواطؤ.

الخلاصة تعزف على أوتار الجرح الفلسطيني

في غزة، حيث تُقاس الأيام بعدد الغارات لا بالساعات، لم يكن حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر ترفًا إنسانيًا ولا فعلًا شكليًا، بل ضرورة أخلاقية في زمن الانهيار الشامل. لم تُنهِ المساعدات الحرب، لكنها أنقذت ما تبقّى من المعنى، وأبقت الإنسان الفلسطيني واقفًا على حافة الصمود لا السقوط.

لقد أدّت اللجنة دورها كضميرٍ حيّ وسط صمتٍ دوليٍّ مثقل بالحسابات، فلامست الجرح دون أن تزايد عليه، ورافقت الألم دون أن تستثمره. كانت هناك لتقول بالفعل لا بالخطاب:

إن المدني ليس هدفًا، وإن الكرامة لا تُقصف، وإن الإنسانية لا تموت حتى تحت الركام.

ويبقى السؤال معلّقًا فوق سماء قطاع غزة:

إلى متى سيظل العمل الإنساني يداوي نتائج الحرب، بينما يعجز العالم عن وقف أسبابها؟

سؤال ينتظر صحوة ضميرٍ عالمي، قبل أن يبتلع الركام ما تبقّى من إنسان.