نشر بتاريخ: 2026/01/26 ( آخر تحديث: 2026/01/26 الساعة: 09:58 )

الخط الأصفر… حدود غير معلنة تضيق الخناق على الفلسطينيين وتعيد رسم الحياة تحت النار

نشر بتاريخ: 2026/01/26 (آخر تحديث: 2026/01/26 الساعة: 09:58)

الكوفية غزة – أفاد تقرير إخباري بأن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» شرق قطاع غزة يفرض واقعًا ميدانيًا خانقًا على الفلسطينيين، عبر حصرهم في مساحات جغرافية أصغر، ما يزيد من تعقيد حياتهم اليومية ويعمّق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

ويشير «الخط الأصفر» إلى خط الترسيم الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي بموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وتُظهر الخرائط العسكرية الإسرائيلية أن هذا الخط يمتد لمسافة تتراوح بين 1.5 و6.5 كيلومترات داخل القطاع، مقتطعًا نحو 58% من مساحته الإجمالية.

ويقسم هذا الخط قطاع غزة إلى منطقتين: منطقة شرقية تخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية مشددة، وأخرى غربية يُسمح فيها بحركة أقل تقييدًا، لكنها تبقى عرضة للغارات الجوية والتهجير القسري بشكل متكرر.

وفي سياق متصل، قدّر مسؤول في الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أن إزالة أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض في غزة ستستغرق ما يزيد على سبع سنوات، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب.

وأدت الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من عامين إلى تدمير أو تضرر أكثر من 80% من مباني القطاع، الذي يقطنه أكثر من 2.3 مليون نسمة، ما أجبر غالبية السكان على العيش في خيام أو داخل منازل مدمّرة جزئيًا.

ويقول سكان المناطق القريبة من «الخط الأصفر» إنهم يستيقظون بشكل متكرر على أصوات إطلاق النار أو انفجارات محدودة، في ظل حالة دائمة من الخوف والترقب.

وبحسب وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في غزة، فإن هذه المناطق تغيّرت وتوسّعت وانكمشت مرارًا خلال الحرب، ما أسفر عن نشوء حدود فعلية تتحكم في حركة المدنيين وإمكانية وصولهم إلى الخدمات الأساسية، وتشكل ما وصفته المنظمات بـ«حدود داخلية قسرية».

وخلال زيارة إلى قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، أن «الخط الأصفر» يمثل «حدًا حدوديًا جديدًا»، ما يعني سيطرة إسرائيل الفعلية على قرابة 60% من مساحة القطاع، بما يشمل مدينتي رفح جنوبًا وبيت حانون شمالًا.

وتشكّل أوامر التهجير القسري المتكررة، التي صدرت عبر منشورات ورسائل هاتفية وخرائط رقمية أثناء القصف، أحد العوامل الرئيسية في تشكّل هذا الخط، حيث لم تُمنح العائلات سوى وقت ضئيل للمغادرة، وغالبًا دون وجهة آمنة.

ووثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنه في فترات مختلفة من الحرب، خضع أكثر من 70% من أراضي غزة لأوامر إخلاء قسري أو اعتُبرت مناطق غير آمنة.

ويصف فلسطينيون «الخط الأصفر» بأنه مناطق عسكرية متحركة داخل القطاع، قد تختفي من الخرائط لكنها تظل حاضرة في حياة المدنيين، تحدد الطرق الآمنة، والمنازل المهجورة، وتوقيت الفرار.

وفي ظل غياب أي لافتات أو علامات واضحة على الأرض، يعتمد السكان على الحدس والذاكرة والأصوات لتجنب الخطر، إذ قد يتحول حيّ آمن إلى منطقة مهددة خلال ساعات، ما يدفع العائلات إلى النزوح المتكرر، أحيانًا أكثر من مرة.

وبحسب تقرير نشرته شبكة «الجزيرة» باللغة الإنجليزية، فإن هذا النمط من العيش يترك آثارًا نفسية عميقة، خاصة على الأطفال، الذين باتوا يتعلمون «خرائط أمان» جديدة، تشمل الطرق المحظورة وأماكن الاختباء وكيفية التصرف أثناء القصف.

وأكد عاملون في المجال الإنساني، إلى جانب مختصين في الصحة النفسية يعملون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف، تسجيل مستويات مرتفعة من القلق والأرق والصدمات النفسية، نتيجة حالة عدم اليقين والتعرض الدائم للتهديد.

ولا تقتصر آثار «الخط الأصفر» على الجانب الإنساني فحسب، بل تمتد إلى سبل العيش، حيث يُحرم المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، وتتوقف الأعمال عندما تقع مواقع العمل قرب المناطق الخطرة، فيما يمنع الخوف السكان من العودة حتى في فترات الهدوء.

كما وثقت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) خسائر واسعة في الأراضي الزراعية، بسبب القيود المفروضة على الوصول والقصف والنشاط العسكري قرب المناطق الحدودية.

ويخلص التقرير إلى أن «الخط الأصفر» وإن لم يكن مرسومًا رسميًا على الأرض، إلا أنه محفور بعمق في تفاصيل الحياة اليومية لسكان غزة، يحدد أين يعيشون، وكيف يتحركون، وما إذا كانوا يجرؤون على إعادة البناء.