نشر بتاريخ: 2026/10/11 ( آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 16:59 )

من خلافات الفصائل إلى توافق التأجيل.. من المستفيد من تغييب الانتخابات؟

نشر بتاريخ: 2026/10/11 (آخر تحديث: 2026/10/11 الساعة: 16:59)

غزة: أعاد قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية، التي كانت مقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إلى واجهة المشهد السياسي سؤالاً يتجاوز الموعد الانتخابي نفسه: كيف التقت مواقف فصائل متباينة في حساباتها وخلافاتها على تأجيل الاستحقاق الذي كان يفترض أن يفتح الباب أمام تجديد الشرعية وإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني؟

ففي 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أصدر عباس مرسوماً جديداً يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن في 11 سبتمبر/أيلول 2027، بعد إلغاء المرسوم السابق الخاص بالانتخابات التشريعية. وبررت الرئاسة القرار بالعقبات الإسرائيلية، والظروف الأمنية والاقتصادية، وصعوبة تهيئة بيئة انتخابية شاملة في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، إلى جانب الحاجة إلى حوار وطني. 

لكن القرار جاء بعد مشاورات واتصالات فصائلية، شملت تقاطعاً بين حركتي فتح وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حول تأجيل الانتخابات، استناداً إلى مبادرة دعت إلى مرحلة انتقالية توافقية وتهيئة الظروف السياسية والقانونية والمجتمعية لإجراء انتخابات شاملة. وهكذا انتقل النقاش من كيفية إنجاز الاستحقاق في موعده إلى كيفية تأجيله وإعادة ترتيب شروطه. 

توافق على التأجيل.. لكن أين الخلاف على جوهر الأزمة؟

لا يمكن اختزال التوافق الفصائلي في موقف موحد من مستقبل النظام السياسي، فالأطراف التي التقت على تأجيل الانتخابات تختلف في برامجها ومصالحها، كما أن قبول التأجيل لا يعني بالضرورة اتفاقها على أسبابه أو على شكل المرحلة المقبلة.

غير أن هذا التقاطع يطرح سؤالاً سياسياً جوهرياً: هل أصبح تأجيل الانتخابات المخرج الأسهل أمام قوى تواجه تحديات داخلية وتخشى استحقاقاً قد يعيد توزيع موازين القوى، بدلاً من معالجة أسباب الأزمة عبر صناديق الاقتراع؟

فبينما تتحدث المواقف الرسمية عن ضرورة التوافق الوطني وتوفير الظروف المناسبة، يرى منتقدون أن غياب الجاهزية السياسية والخلافات الداخلية والخشية من نتائج المنافسة عوامل أسهمت في الدفع نحو التأجيل. وقد أشار محللون، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام، إلى أن التأجيل قد يمنح القوى السياسية وقتاً إضافياً لتجاوز أزماتها، من دون أن يضمن معالجة تلك الأزمات فعلياً. 

ومن هنا، فإن المصلحة المشتركة التي يمكن استخلاصها من هذا التقاطع ليست بالضرورة وجود اتفاق سري بين الفصائل، بل تمثّل في النتيجة السياسية المباشرة: إبعاد اختبار صناديق الاقتراع في موعده المحدد، والإبقاء على الخلافات المتعلقة بالتمثيل والشرعية وتوازن القوى مفتوحة إلى موعد لاحق.

 دحلان: الانتخابات حق للشعب وليست منحة من السلطة

في مواجهة هذا المسار، اتخذ القائد محمد دحلان، رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، موقفاً رافضاً للتأجيل، واعتبر المرسوم الرئاسي «كارثياً»، ووصف القرار بأنه جريمة بحق الديمقراطية ومصادرة لإرادة الشعب الفلسطيني.

وأكد دحلان، في موقف نشرته وسائل إعلام في 10 أكتوبر/تشرين الأول، أن الانتخابات ليست إجراءً إدارياً يمكن التعامل معه وفق حسابات السلطة، بل حق أصيل للفلسطينيين في اختيار ممثليهم وقيادتهم. وربط موقفه بأزمة الشرعية التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية، محذراً من استمرار تعطيل المؤسسات التشريعية وتقييد فرص المشاركة السياسية، ولا سيما أمام الأجيال الشابة. 

ويضع موقف دحلان جوهر الخلاف في مكان مختلف عن السجال حول الموعد والظروف: فالسؤال، وفق رؤيته، ليس ما إذا كانت الانتخابات تحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية مناسبة، وإنما ما إذا كان يجوز تحويل هذه التحديات إلى مبرر لتأجيل حق المواطنين في الاختيار، من دون ضمانات ملزمة تمنع تكرار التأجيل.

كما أعلن دحلان عزمه توسيع الاتصالات مع القوى السياسية والوطنية لتشكيل جبهة ضغط تستهدف استعادة المسار الديمقراطي، في إشارة إلى أن المواجهة مع قرار التأجيل لن تقتصر على التصريحات، بل ستتجه إلى حشد مواقف رافضة لاستمرار تعطيل الاستحقاق الانتخابي. 

التحالفات العابرة للفصائل.. لماذا أثار احتمال التغيير القلق؟

جاء التأجيل في وقت تحدثت فيه تقارير صحفية عن اتصالات لتشكيل قائمة انتخابية موسعة تضم تيار الإصلاح الديمقراطي وقوى من حماس وأطرافاً فلسطينية أخرى. ووفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، فإن تقارباً انتخابياً بين هذه القوى كان من التطورات التي سبقت قرار التأجيل، فيما نقلت الصحيفة عن المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي ديمتري دلياني قوله إن التحالف المعارض أثار مخاوف لدى قيادة السلطة.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية لأنها تكشف أن الانتخابات لم تكن مجرد إجراء إداري، بل ساحة محتملة لإعادة ترتيب التمثيل السياسي داخل النظام الفلسطيني، وفتح المجال أمام قوى تسعى إلى منافسة مراكز النفوذ القائمة.

ومع ذلك، لا تكفي هذه التقارير وحدها للجزم بأن الخشية من تحالف انتخابي كانت السبب الوحيد أو الحاسم في اتخاذ قرار التأجيل؛ فالرئاسة عرضت بدورها جملة من العقبات الأمنية والسياسية واللوجستية، بينما تتطلب معرفة الدوافع الفعلية فحص القرارات والمواقف المعلنة، لا الاكتفاء بالاستنتاجات.

لكن يبقى السؤال قائماً: إذا كانت القوى السياسية تتفق على أن النظام يحتاج إلى إعادة بناء، فلماذا لا يكون الاحتكام إلى الناخبين جزءاً أساسياً من هذه العملية، بدلاً من إرجائه؟

 بين الحوار الوطني وحق الناخب.. من يضمن ألا يتكرر التأجيل؟

تقول الرئاسة إن الموعد الجديد يهدف إلى إتاحة المجال أمام حوار وطني شامل، وتعزيز وحدة النظام السياسي، وضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. وهي أهداف ترتبط بتحديات حقيقية، أبرزها القيود الإسرائيلية على العملية الانتخابية والظروف الاستثنائية في القطاع.

غير أن الحوار الوطني لا يكتسب قيمته بمجرد انعقاده، بل بما ينتجه من تفاهمات قابلة للتنفيذ، وبقدرته على تحديد قواعد المنافسة وضمان الحريات السياسية ومنع احتكار القرار. كما أن تحديد موعد جديد لا ينهي الجدل ما لم تصاحبه خطوات واضحة تضمن احترام الاستحقاق وعدم إخضاعه مجدداً لحسابات القوى المتنافسة.

وفي هذا السياق، يبرز موقف دحلان بوصفه اعتراضاً على تحويل التأجيل إلى أمر واقع، ودعوة إلى إبقاء حق الانتخاب في صلب أي تسوية وطنية مقبلة. فالمطلوب، وفق هذا المنظور، ليس مجرد تفاهم بين الفصائل على إدارة المرحلة الانتقالية، وإنما توافق يفتح الطريق أمام الشعب ليقرر بنفسه شكل قيادته وممثليه.

توافق الفصائل لا يعوّض تفويض الشعب

يكشف تأجيل الانتخابات الفلسطينية مرة أخرى عن أزمة تتجاوز الخلاف على موعد الاقتراع، لتطال طبيعة الشرعية السياسية وآليات تجديدها. فالتوافق الفصائلي قد يسهّل إدارة الخلافات، لكنه لا يمنح أي طرف بديلاً دائماً عن التفويض الشعبي، ولا يحسم وحده سؤال من يملك حق تمثيل الفلسطينيين.

وبينما ترى الرئاسة والفصائل المؤيدة للتأجيل أن تهيئة الظروف والحوار الوطني ضروريان لإنجاز انتخابات شاملة، يتمسك دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي بأن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب إضافي لإرجاء الديمقراطية.

وفي المحصلة، فإن المعيار الحقيقي لأي توافق وطني لن يكون عدد الفصائل التي وافقت عليه، بل مدى قدرته على ضمان انتخابات حرة ونزيهة في موعدها المعلن، وإعادة القرار إلى صاحبه الأصلي: الشعب الفلسطيني.