خاص|| حركة فتح .. من الانطلاقة حتى بناء الدولة الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/01/02 (آخر تحديث: 2026/01/02 الساعة: 19:59)

تحيي جماهير شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات، الذكرى الواحدة والستين لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" والثورة الفلسطينية المعاصرة، التي انطلقت في الفاتح من كانون الثاني/ يناير عام 1965.

لم تكن حركة "فتح" مجرد شعار عابر، بل كانت نبض شعب قرر أن يكون، منذ انطلاقتها في 1965 نسجت خيوط الحلم الفلسطيني، وعبرت عن ضمير الشعب بأفكارها الوطنية والوحدوية والواقعية، وحافظت على الهوية الفلسطينية واستقلالية القرار الوطني، وأعادت القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء.

التسمية

أجمع عرفات والمؤسسون المشاركون في اللقاء التأسيسي على تسمية الحركة "حركة التحرير الوطني الفلسطيني" وقرروا اختصارها باستخدام الأحرف الأولى من كل كلمة فأصبحت "حتوف"، ثم حذفوا حرف الواو لأنها لا تعطي معنى مفهوما، إلا أنهم لاحظوا أن "حتف" تشير إلى الهزيمة والموت، وهو ما رفضوه تماما، لذا اقترحوا تعديل الاسم ليصبح "فتح"، تعبيرا عن النصر وتيمّنا بسورة الفتح.

الخلية الأولى

بدأت فكرة تأسيس منظمة كفاحية فلسطينية تتوارد في رأس ياسر عرفات منذ سنة 1956، أي بعد العدوان الثلاثي على مصر. وقد شاركه في بلورة الأفكار الأولى خليل الوزير (أبو جهاد)، وفي ما بعد صلاح خلف (أبو إياد). والواضح أن مؤسسي حركة «فتح»، في معظمهم، هم من اللاجئين الذين وفدوا الى قطاع غزة بعد سنة 1948 أمثال محمد يوسف النجار (أبو يوسف) وسليم الزعنون (أبو الأديب) وخليل الوزير (أبو جهاد) ويحيى عاشور (حمدان) وفتحي البلعاوي وآخرين.

كانت الكويت منشأ الخلية الأولى لحركة «فتح»، وفيها تمكن ياسر عرفات من الحصول على دعم الأثرياء الفلسطينيين أمثال طلعت الغصين وهاني القدومي وعبد المحسن القطان وهاني أبو السعود. وضمت الخلية الأولى لحركة «فتح» كلاً من: ياسر عرفات وأبو جهاد وعادل عبد الكريم (مفتش مادة الرياضيات في مدارس الكويت) وتوفيق شديد ويوسف عميرة وعبد الله الدنان. وهؤلاء صاغوا «بيان الحركة» ووضعوا كراس «هيكل البناء الثوري» واتفقوا على اسم «فتح»، ثم بدأوا الاتصال برفاقهم القدامى في غزة وسورية، فانضم إليهم صلاح خلف وكمال عدوان في سنة 1959. ولم تكد سنة 1959 تنصرم حتى كان عدد أعضاء الحركة قد فاق الخمسمئة.

أسست هذه الخلية منبراً إعلامياً في لبنان باسم «فلسطيننا ـ نداء الحياة»، وصدرت هذه المجلة في تشرين الأول/ أكتوبر 1959 بإشراف كل من الحاج توفيق حوري والسيد هاني فاخوري. وظلت هذه المجلة توالي الصدور حتى سنة 1964، وكان أبو جهاد يشرف عليها، ويكتب مع ياسر عرفات معظم مقالاتها.

في سنة 1960 باتت «فتح» قوة حقيقية في الوسط الفلسطيني، فانضم إليها كل من عبد الفتاح حمود وماجد أبو شرار وأحمد قريع (أبو علاء) وفاروق القدومي (أبو اللطف) وخالد الحسن (أبو السعيد) وهايل عبد الحميد (أبو الهول) وهاني الحسن ومحمود عباس (أبو مازن) ثم زكريا عبد الرحيم في سنة 1963 وخالد اليشرطي.

وهكذا توزع أعضاء حركة فتح الأوائل على مختلف العواصم العربية، ففي الكويت كان ياسر عرفات وعبد الفتاح حمود ونمر صالح (أبو صالح) وخالد الحسن وعبد الله الدنان ويوسف عميرة وعادل عبد الكريم وكمال عدوان وزهير العلمي وتوفيق شديد وفارق القدومي (أبو اللطف)؛ وفي قطر كان محمود عباس ومحمد يوسف النجار ومحمود المغربي؛ وفي السعودية صلاح خلف ووليد أحمد نمر الحسين (أبو علي إياد) وممدوح صيدم ورفيق النتشة؛ وفي الجزائر خليل الوزير ثم منهل شديد؛ وفي غزة سليم الزعنون؛ وفي دمشق محمود الخالدي؛ وفي ليبيا محمود أبو الفخر.

شرعت قيادة فتح في التحضير لإقامة جناح عسكري سري حمل اسم قوات "العاصفة"، كان الاتفاق قد جرى على إعلان انطلاقة الكفاح المسلح في أوائل أيلول/سبتمبر 1964 قبيل مؤتمر القمة العربية الثانية، لكن المجلس العسكري أرجأ ذلك، لأنهم كانوا مازالوا يحتاجون الى نحو 500 قطعة سلاح ونحو 50 ألف دينار كويتي لهذه الغاية، الأمر الذي لم يكن متوافراً في ذلك التاريخ، وكان ياسر عرفات جالساً مع أبو يوسف النجار على شاطئ مدينة الكويت يفكران في هذا العائق، وفجأة نظر ياسر عرفات الى أبو يوسف النجار قائلاً له: عندما قابلت هواري بومدين وزير الدفاع الجزائري وطلبت منه المساعدة قال لي: إذهب واطلق رصاصة ثم عد إليّ، الآن ما رأيك أن تقوم أنتَ بعملية عسكرية، فإذا نجحت العملية تتبناها فتح، وإذا فشلت يكون الذين قاموا بها مجموعة من الشبان المتحمسين ليس أكثر، ونتابع نحن الاستعداد للانطلاقة، وجاء أبو جهاد من الجزائر، واجتمع المجلس العسكري، ووافق على الفكرة.

وهكذا بدأت المسيرة نحو لحظة انطلاقة الرصاصة الأولى التي انطلقت بالفعل في 1/1/1965.

الانطلاقة الأولى

نفذت حركة فتح قبيل انطلاق العمليات العسكرية في 1/1/1965 سلسلة من عمليات الاستطلاع قادها من لبنان أحمد الأطرش (زياد) وشقيقه محمود الأطرش وجلال كعوش، ونتيجة لعمليات الاستطلاع جرى تحديد عدد من الأهداف، وأرسلت قوات العاصفة 82 رجلاً في 10 مجموعات مسلحة للإغارة عليها في وقت واحد، وكان في رأس العمليات المقرر تنفيذها في ليلة 31/12/1964 اثنتان: الأولى، تفجير محطة لضخ المياه في النطوف (بيت نطوفا) في شمال فلسطين، والثانية تدمير نفق عيلبون الذي ينقل مياه نهر الأردن الى إسرائيل.

أذيع البيان الأول لقوات العاصفة في 1/1/1965 فشكَّل تدشيناً لعصر جديد سيعم المنطقة العربية بأسرها، هو عصر الكفاح المسلح الفلسطيني. ثم أذيع أول بيان سياسي للعاصفة في 28/1/1965 فحملت «العاصفة» معها للشعب الفلسطيني وعوداً طال انتظارها كثيراً، غير أن الشهور التي أعقبت انطلاقة العمل الفدائي لم تشهد الكثير من العمليات العسكرية، بل انصرف الجهد، في معظمه، الى ترسيخ حركة فتح في الأوساط الفلسطينية، وفي تأسيس القواعد السرية في الضفة الغربية، واقتصر الجهد العسكري على التسلل عبر الحدود في لبنان والأردن وسورية، وزرع العبوات البدائية والألغام، وكان ياسر عرفات في مقدمة دوريات التسلل هذه.

استمرت حال العمل العسكري طوال الفترة الممتدة بين مطلع العام 1965 وأيار/مايو 1967 على ما هي عليه من تسلل وإغارة وزرع ألغام وبناء القواعد السرية وترسيخ هيكلية تنظيم حركة فتح في البلدان العربية، لكن مع وقوع حرب الخامس من حزيران/ يونيو 1967 واحتلال إسرائيل غزة والضفة الغربية والقدس والجولان بدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع العربي ـ الصهيوني، وصار ما قبل هذا التاريخ تاريخاً، وما بعده تاريخاً آخر.

الانطلاقة الثانية

أوجد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وضعاً جديداً تماماً، وخلق مشكلات لم تكن في الحسبان البتة، الأمر الذي أجبر حركة فتح على الانتقال الفوري من مرحلة التأسيس وبناء القواعد السرية الى مرحلة بناء قواعد الاسناد الثابتة ولا سيما في الأردن، وفور توقف الأعمال القتالية في حرب حزيران/ يونيو 1967 قاد ياسر عرفات فريقاً صغيراً قوامه عبد العزيز شاهين (أبو علي) وعبد الحميد القدسي، وتسللوا الى الضفة الغربية لإعادة تنظيم خلايا فتح في الداخل وشن عمليات عسكرية ضد الاحتلال.

وفي 1/8/1967 أقام ياسر عرفات مقر قيادته في مدينة نابلس، وشرع مع محمود مِسْوَدَة ونمر صالح (أبو صالح) في تأسيس الخلايا العسكرية المقاتلة، وكُلِّف خليل الوزير تنظيم شبكة الإمداد وقواعد الاسناد السرية في الأردن. وجرى تنشيط معسكر الهامة القريب من دمشق.

وفي 28/8/1967 بدأ شن العمليات العسكرية فيما اعتُبر الانطلاقة الثانية لحركة فتح، وتتالت الدورات التدريبية في الخارج، وبالتحديد في الصين، وعاد المتدربون في نهاية العام 1968 الى الأردن ليباشروا بناء قواعد الاسناد والتنظيم المحلي، وكان بينهم ممدوح صيدم وهاني الحسن وهايل عبد الحميد ويحيى عاشور وإسماعيل جبر ونصر يوسف وموسى عرفات وداود أبو الحكم والطيب عبد الرحيم. وفي هذه الأثناء كان ياسر عرفات ينشط في الضفة الغربية لتمتين بنية الخلايا السرية لحركة فتح، ويتنقل بسرية تامة من مكان الى آخر، وكادت القوات الإسرائيلية تعتقله أكثر من مرة.

البنية التنظيمية

المؤتمر العام، وهو السلطة العليا داخل الحركة، ولا يُعقد بانتظام لأسباب داخلية وخارجية.

المجلس الثوري، ويتكون من 120 عضوا من المسؤولين وقادة الأجهزة والأقاليم والقوات و25 عضوا من المؤتمر العام، و10 من اللجنة المركزية.

اللجنة المركزية، وهي القيادة المركزية للحركة تتكون من 18 عضوا، وينتخب المؤتمر العام أكثر من ثلثي أعضائها.

معركة الكرامة

لم تكن معركة الكرامة في 21 آذار/ مارس 1968 انعطافة حاسمة في المسار الكفاحي لحركة "فتح" وجناحها الضارب "قوات العاصفة"، بل علامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني بشكل عام، إذ تمكنت ثلة من الفدائيين تناهز 300 مقاتل، مدعومة بوحدات من الجيش الأردني من صد عدوان عسكري إسرائيلي مدجج بأحدث أنواع العتاد، فتراجع جيش الاحتلال الإسرائيلي الغازي بعد معركة شرسة وقد مني بخسائر فادحة.

حصار بيروت

في عام 1982م خاضت الثورة الفلسطينية معركة أسطورية في مواجهة الجيش الإسرائيلي، في 6 حزيران/ يونيو 1982م بدأ الجيش الإسرائيلي بقصف جوي ومدفعي لمدن الجنوب اللبناني، ثم تحرك برا وكان الهدف المعلن من قبل إسرائيل تدمير منظمة التحرير الفلسطينية.

وبدأت المواجهة التي استبسل فيها أشبال ورجال فتح، فكانت قلعة شقيف شاهدا، وكان الصمود الأسطوري في بيروت والذي استمرّ 88 يوما من الحصار والقصف البري والجوي والبحري للمقاومة الفلسطينية التي فضّلت الموت على الاستسلام، لكن أمام الأوضاع الداخلية التي كان يعيشها الشعب اللبناني، ولوقف العمليات الإسرائيلية التي استهدفت المدنيين أيضا، اضطرت منظمة التحرير للخروج من بيروت، فرحل ما يقارب 12 ألف مقاتل فلسطيني إلى بعض الدول العربية في شهر آب/ أغسطس 1982م، وبدورها انتقلت القيادة الفلسطينية إلى تونس.

انتفاضة الحجارة

في عام 1987م اندلعت انتفاضة الحجارة التي عمت المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وتصدرت حركة فتح الجماهير الفلسطينية لتدير دفة الانتفاضة، وكان الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) الموجه والقائد؛ ما دفع بالموساد الإسرائيلي إلى استهدافه واغتياله في تونس، إلا أن هذا لم يوقف لهيب الانتفاضة، فقبل أن تكمل عامها الثاني، كان المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر بتاريخ 15 تشرين الثاني 1988م يعلن على لسان الرئيس الراحل ياسر عرفات قيام دولة فلسطين.

بناء الدولة الفلسطينية

خاضت فتح في مطلع تسعينيات القرن الماضي حربا سياسية فرضت من خلالها تواجدا وتمثيلا للشعب الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1991م، عندما شكّلت وفدا فلسطينيا برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي، وعضوية شخصيات فلسطينية من داخل الأراضي المحتلة، لتمثيل الشعب الفلسطيني في هذا المؤتمر.

وفي 13 أيلول/ سبتمبر 1993م، وقع اتفاق أوسلو بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وكانت عودة كوادر وقيادات الثورة من الخارج إلى أرض الوطن بتاريخ 4 أيار/ مايو 1994م، ثم الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأول من تموز/ يوليو من نفس العام، لتبدأ مرحلة بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني بعد أن أقر المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة في تونس بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1993م قيام أول سلطة وطنية فلسطينية على أرض الوطن، وانتخب أبو عمار من قبل الشعب الفلسطيني رئيسا لها في انتخابات ديمقراطية نزيهة في 20 كانون الثاني/ يناير 1996م إلى جانب انتخاب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني والذي فازت فتح بغالبية مقاعده.