المشهراوي حين يعيد ضبط المنبه 
نشر بتاريخ: 2026/01/18 (آخر تحديث: 2026/01/19 الساعة: 01:31)

حدثني احد الأصدقاء ذات مرة عن رجل عجوز قرر ان يعطي أمواله لأكثر أبناءه نُبلا ، فطلب من كل منهم ان يذكر له أكثر مواقفه نبلاً ، كل منهم تحدث بموقف يشيد بنبله وكرامته ، لكن الأب قرر ان يعطي ماله لأبنه الصغير الذي قال لأبيه في قصته ، ان احد اكثر أعدائه وخصومه الذين آذوه كثيرا في عمله ورزقه كان نائما تحت شجرة وكان ثعبان يقترب منه لقتله ، فنازعت الأبن نفسه ان يترك عدوه للثعبان او ان ينقذه متجاوزا كل ما بينهم ، لكن الابن قرر ان يتغاضى عن كل مساوئ خصمه وينقذه ولذا فقد استحق بجدارة لقب النبيل .

هذي القصة من الطبيعي سردها في أحاديث العلاقات العامة المجتمعية ، لكنها من النادر ان تحدث في عالم علاقات السياسة القائمة على المصالح دوما.

في حالتنا الفلسطينية ومنذ نهاية الحرب بشكلها الدموي ودخول المرحلة الأولى حيز التنفيذ انتظارا للانتقال للمرحلة الثانية ساد المشهد الفلسطيني حالة من الضبابية السوداء ، شعب منهك جراء حرب الإبادة الدموية ، وسلطة تتراجع أن لم تكن غائبة تماما عن الحضور المؤثر في مشهد الفعل السياسي وحتى الاغاثي، وفصائل كابرت وعاندت مجريات المنطق السياسي وظنت انها فوق معطيات ووقائع ونتائج الحرب، إلى ان وجدت نفسها قد سلمت كل الأسرى الذين بحوزتها ووقعت على وثيقة ترامب ذات العشرين بندا والمتعلقة بتسليم الأسرى والسلاح ومغادرة مربع الحكم بل ومغادرة قيادات حماس وذراعها العسكري لغزة و الالتزام بالتعايش السلمي .

ومع تشكيل مجلس السلام وتشكيل لجنة التكنوقراط بدأت حالة من الترقب والتخوف والإنتظار لدى المواطنين والمراقبين ، فيما بعض الاخضر بدا مصراً على أنه وحده لا شريك له هو اليوم التالي للحرب، وبدأ في مهاجمة لجنة التكنوقراط الادارية واعضائها ، والبعض الآخر بدا يسن لسانه وأزرار الكيبورد متشفيا بما أوصلتنا له حماس معتبرا ان سنوات حماس قد انتهت وان الزمن سيعود له مجددا ، هنا تحديدا كان ظهور القيادي الفلسطيني سمير المشهراوي نائب رئيس تيار الاصلاح الديمقراطي لحركة فتح ضرورة ملحة، فهو الرجل الذي قال لحماس في الغرف المغلقة مالم يجرؤ احد على قوله بخصوص ضرورة الذهاب نحو انهاء الحرب وحماية المدنيين والشعب في غزة من أبشع مصير قادته له حماس بإجتهاد سياسي خاطئ وسوء تقدير ولحظة غرور قاتلة حين قاد العسكري الحمساوي قرار السياسي في اروقة الحركة ، فسمير المشهراوي ليس رجلا من الذين يختبؤون او يلجأون الى مربع الصمت والحياد في اوقات القرار ، فتاريخ الرجل يشهد له بذلك في كثير من المحطات .

خمس وأربعون دقيقة مدة لقاء أعاد ضبط منبه المشهد في الوعي الجمعي لشعبنا بخصوص كل القضايا العالقة بدءا من تذكيره بدور مصر الشقيقة الكبرى التى كان لها موقفها الوطني الحاسم والحازم في منع التهجير، مرورا بغزة وتذكير اهلها والثناء على صمودهم وصبرهم على أبشع ما يمكن ان تتعرض له الشعوب ، ثم مرورا بالقضية الحاسمة وهي مسألة سلاح حماس وتأكيده على موقفه بان البندقية وحدها ليست هي المقاومة، فالمقاومة فكرة والبندقية قد تصبح قاطعة طريق ان لم تكن مسيسة بأهداف وقرارات مرحلية، وشعبنا مقاوم قبل فتح وحماس وقبل كل التنظيمات ، فلا خوف على المقاومة طالما انها بقيت فكرة في وعي اصحاب الحق ، لكن في اللحظة التي تتحول فيها البندقية إلى عبء على حاملها حين تعجز عن صد الحرب وحين تصبح أداة لحماية برنامج فصيل وليس شعب ، وتصبح ذات القطعة الحديدية ذريعة لنتنياهو لاستكمال عدوانه على جموع الشعب ، حينها يصبح تسليمها واجبا للحفاظ على رؤوس تحمل فكرة حق البقاء والصمود المقاومة بكل أدواتها، هنا تحديدا يختبئ الكثير من السياسيين الى مربع الحياد والصمت خوفا من عبء الموقف ، وهنا تحديدا ظهر الموقف الذي عبر فيه ابو باسل بمنطق وطني مسؤول وواعي عن تطلعات الناس المطحونين وتحدث بلغتهم وكأنه الناطق الرسمي باسم أوجاع المقاومين والمقاتلين والمدنيين والمحللين والمهتمين ، ولأنه كذلك فقد تحدث بملء الفم ايضا عن مخاوف آلاف الموظفين المحسوبين على حكومة غزة والذين ينتظرهم مستقبل مجهول ، تحدث بما يوفر شبكة الامان الوظيفية الجماعية لكل ابناء شعبنا بإعتبار الوظيفية حق مشروع لكل من هو أهل لها .

حديثه كان مستفيضا حول اللجنة الوطنية ، تحدث حول امنياته لو ان اللجنة كانت تتبع السلطة الفلسطينية رغم كل مآخذه عليها ، لكنه كان يقرأ وقائع المرحلة بعين السياسي والوطني ، فالسياسة والمسؤولية هي فن الممكن الأقصى في الظروف المعقدة ، لذا فربما هذه اللجنة ليست هي الحالة المثالية التي يريدها شعبنا من ناحية تبعيتها الادارية ، لكن ظرف الحرب ونتائجها الكارثية وموازين القوة الدولية تفرض نفسها على المعادلة الراهنة ، فحتى هذه اللجنة لم تكن ايضا وفق رغبات الاحتلال الذي وضع سقفا لمطالبه السياسية من هذه الحرب أعلى بكثير مما حصل عليها .

مقابلة ابو باسل التي كانت واضحة وقوية على كل المستويات الوطنية لاقت استحسان الكثيرين من كل مشارب شعبنا الوطنية والفصائلية ، إلا من البعض الذي فقد صفة النبل والوطنية والشعور بالمسؤولية ، فالبعض لا يزال مكابرا ظانا أنه اليوم التالي للحرب حتى لو أبيدت غزة وتم مسحها عن ظهر الخارطة ، فهؤلاء لا يقبلون منطقا وطنيا يرى الكل بعيون فلسطينية ، وعلى الجانب الآخر هناك من ينتظر ان تقع حماس حتى يأتي ظافرا بحكمٍ ووظيفة في غزة، فهؤلاء ايضا لن يقبلوا هذا المنطق المسؤول والوطني الفلسطيني الذي عبر عنه ابو باسل سمير المشهرواي.

للحق فإن مشاهدة لقاء لهذا الرجل تعيد الى الاذهان صورة عظماء فتح والثورة الفلسطينية في زمن صلاح خلف وابو جهاد وغيرهم، الذين امتلكوا زمام الرأي ومسؤولية الكلمة وامانة القرار في الأوقات الحرجة.

هنا مدرسة التاريخ الفلسطيني المعاصر الذي يعرف أين ومتى يقيّم التجارب الوطنية ويعرف جيدا اين وكيف وفي اي قناة يوجه النقد والمواجهة، ويعرف جيدا ما يجب ان يقال في المواقف الحرجة .

ولذا فقد كان لقاءه كمن إلقى حجرا صاخبا في المياه الراكدة من هول مشهد الحرب ونتائجها ، كانت خلاصته اننا لا يجب ان نتعرض لكي وعينا ولا ان نسمح بذلك مهما بلغت خسائر وتضحيات المرحلة.