مفارقات الحرب ومقاربات اندلاعها؛ أقرب إلى الخيال!
نشر بتاريخ: 2026/01/26 (آخر تحديث: 2026/01/26 الساعة: 16:16)

من الطبيعي أن يشعر الناس، في كل مكان وفي المنطقة بدرجة عالية من الحيرة والتوتّر والقلق على ما يمكن أن تصل إليه الأمور في حال اندلاع حرب كبيرة، وشاملة في منطقة الإقليم، وذلك في ظل انعدام اليقين حول هذه الحرب من زاوية المبرّرات «الضرورية» لقيامها، ومن زاوية ما يمكن أن يترتّب عليها من نتائج وتبعات، وويلات في منطقة تعاني الفائض منها.

ولا يقتصر الأمر على عامّة الناس، وذلك لأن أغلب المراقبين والمتابعين، والمختصّين والمهتمّين يشعرون بتشوّش كبير حيال هذه الحرب إذا اندلعت، وحيال مآلاتها، وحيال المتغيّرات التي يمكن أن تؤدّي إليها، والتأثيرات التي ستترتّب عليها في مختلف الاتجاهات والمجالات.

ولعلّ «حجم» هذه الحرب إن وقعت هو ما يُثير كل هذا القلق والتوتّر، وكل هذا التشوّش، أيضاً.

وكما ذكرنا في مقالات سابقة فإن حرباً كهذه لن تؤدّي الغرض منها من وجهة النظر الأميركية إلّا بمنع إيران من إمكانية الردّ السريع والواسع والشامل على الضربات الأميركية، وحرمانها من تحويل الضربات إلى عملية استدراج لحرب غير خاطفة، تستمرّ لأيّام وأسابيع، وربما شهوراً، حيث تفقد الضربات قيمتها، ويصبح وقفها بأسرع وقت ممكن هو المخرج الوحيد قبل أن تتحوّل إلى استنزاف هائل دون القدرة على تغيير مسارها ونتائجها.

لماذا يعتبر مثل هذا «الشرط» هو الأوّل قبل الإقدام عليها، أو لماذا هذا الشرط بالذات هو مفتاح فهم طبيعة هذه الحرب إن قامت؟

وهل أنّ هذا يعني أن الضربات الأميركية، والإسرائيلية ضمناً ستكون من القوّة بالضرورة، بحيث إذا طالت واستمرّت ستكون عملية تدمير ممنهج للقدرات الإيرانية بعد شلّ قدرتها على الردّ الفعّال؟ وبحيث تصبح مسألة «تغيير» بنية النظام متاحة سياسياً، وإلّا الاستمرار بمثل هذا التدمير حتى سقوط النظام بالكامل، وحتى تحضير البدائل السياسية عنه؟

إذا كان الأمر كذلك، وفي أغلب الظنّ أنّ التقديرات الأميركية والإسرائيلية تدور في هذا الإطار، فإنّ أيّ خطأ في مثل هذه التقديرات سيكون قاتلاً، وستكون كلفته باهظة للغاية، وفي أغلب الظنّ أنّها ستكون كارثية على المستوى الإسرائيلي.

لماذا يمكن أن تكون الحسابات الخاطئة خطيرة إلى هذه الدرجة؟

الجواب حسب بعض التقديرات أن إيران إذا بقيت قادرة على الردّ، وإذا ما استخدمت، أو تمكّنت من استخدام قدراتها في الجانب الصاروخي فقط، فإنها قادرة على خلق معادلات جديدة أقلّها إعادة الإقليم إلى توازنات جديدة لا تحسم الصراع، مع فارق أن العودة إلى حرب جديدة في المدى المرئي ستصبح من عداد العبث والمستحيل.

تشير تلك التقديرات إلى أن إيران تمتلك ثلاثة أنواع من الصواريخ الفرط صوتية يصعب إسقاطها وهي دقيقة ومدمّرة.

وتفادياً لاحتمالات بعض المبالغة، أو الدقّة فإن مضمون المسألة مفاده أن بإمكان إيران أن تدمر مدناً إسرائيلية، وقواعد أميركية فاعلة في الخليج العربي، وأن تصيب أعداد القطع البحرية المنتشرة بالمياه المحيطة بها.

وتدّعي هذه التقديرات أن إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز، وأن بإمكان «جماعة أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية منع أيّ ملاحة في باب المندب، وهو ما يعني أزمة غير مسبوقة في «الطاقة» وفي حركة التجارة الدولية، وبما لا يقلّ عن 40 - 50% منها.

هذا إضافة لما تملكه إيران من آلاف الصواريخ قصيرة المدى، ومن طائرات مسيّرة محدّثة، ومن غوّاصات قادرة كلّها على تشكيل تهديد مباشر للملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهادئ.

من هنا فإن خطأ الحسابات يبدو قاتلاً فعلاً، وقد يؤدّي في حالة الانزلاق إلى هذا المستوى من المجابهة إلى استخدام أسلحة مدمّرة تطال إيران كلّها، بما في ذلك الضربات النووية.

والفشل الأميركي لن يؤدّي إلى التراجع بسهولة، إن كان بسبب حساسية الإقليم بالنسبة للمصالح الأميركية، أو بسبب الدمار الذي سيلحق بالمكانة والدور الإسرائيلي، أو ما يمكن أن تؤدّي إليه المجابهات من هذا المستوى من ضرر بالغ في منطقة الخليج العربي، ناهيكم عن الأزمة التي ستضرب مفاصل حيوية من الاقتصاد العالمي.

لهذا كلّه فإن شخصية ترامب تشكّل في هذه الحالة عاملاً إضافياً من الأخطار، إما بسبب انفكاكه عن الواقع في كثير من الأحيان والحالات، أو بسبب تسرّعه، وعنجهيته المفرطة التي باتت بادية للجميع، وفي هوسه بالظهور الإعلامي لتكرار «إنجازاته» التي لا يراها أحد غيره، وغير فريقه «العقاري» عديم الثقافة والخبرة والتخصّص، أو فقيرها على أقلّ تقدير.

وهذه الحرب لن تندلع أبداً من دون عملية مخادعة كبرى، ونوعية، ومن دون مفاجآت استخبارية وتكنولوجية من أثقل العيارات، وسيكون اندلاعها من دونها هو مؤشّر على حالتين لا ثالث لهما.

فإمّا أن الضربة مدروسة ومحدودة، وتهدف إلى خلق حالة تلفزيونية جديدة باتت جزءاً من حالة العبث التي يمثلها ترامب في سلوكه الخارج عن كل مألوف، أو أن الضربة ستكون مدمّرة على الجميع.

بطبيعة الحال لا يمكن التكهّن بما يدور في رأس ترامب، ولا بالمدى الحقيقي الذي يمكن أن يصل إليه ولا بالخداع الذي يخفيه ربما عن أقرب المقربين منه ولكن يمكن بكلّ تأكيد تقدير ذلك في حالة واحدة، وهي البحث في الأسباب الفعلية والحقيقية التي تدفعه، وستدفعه إلى أعلى درجات التصعيد والمغامرة، وصولاً إلى حافّة المقامرة.

ترامب يستعيض عن الفشل بالاستعراض، وهو يعيش بعد سنة كاملة أعلى درجات الفشل، ويشتد الخناق عليه بالرغم من مظاهر التفشخر، وإظهار أعلى مستوى ممكن من التستّر على حالة الاختناق التي يعرف عنها، ويعرف تفاصيلها بعمق، ويعيش حالة إنكار للأزمة التي يمرّ بها، ويعرف أن التعمية على حالة الإنكار تحتاج قبل كل شيء إلى أعلى قدرٍ من التبجّح، وإلى أعلى درجات الإيحاء بالقوّة والسطوة والتصميم.

باختصار ترامب يائس، وعاجز، ويكاد يغرق على كل منحى وصعيد.

لم يعد أمامه سوى أن يراهن على استعراضات مبهرة، وعلى استخدام فائض القوة العسكرية الأميركية باستخدامها حيث يمكنه ذلك، وبالتهديد والتلويح بها للابتزاز والتهديد والوعيد، بهدف تحصيل كل ما يمكن من عوائد تحت طائلة الزجّ بما ملكت يداه منها.

ومفهوم فائض القوة لا يقتصر طبعاً على القوة العسكرية المادية، وإنما يمتدّ الأمر لأدوات الضغط والابتزاز التي لديه سواء ضد أعدائه الضعفاء، أو حلفائه الذين بنوا سياساتهم على «جدّية» التحالف بينهم وبين أميركا، وارتهنوا لهذا التحالف، وتحولوا إلى أتباع يمكنه أن يفرض عليهم إرادته، وأن يلزمهم بشروط التحالف من واقع الأزمة التي تخنقه، وستخنقهم لاحقاً.

وكما يقول الحكماء فإن أسوأ المستشارين هو اليأس.

برأيي، دون أن ندرك بعمق هذا الجوهر في تفسير السياسة الأميركية، فإننا لن نعرف أبداً، كشعوب عربية، وحتى كأنظمة عربية وإسلامية أن نُحسِن التعامل مع الإدارة الأميركية في واقعها الرّاهن.

قد يذهب ترامب لضرب اليمن، وحتى العراق، قبل أو بعد الضربة على إيران، وقد يطلب من جيش الاحتلال ضرب لبنان، لأنه ربما يتصوّر أن الفشل في مواجهة إيران يحتاج إلى «نجاحات» سهلة تغطي على احتمالات الفشل هناك، وربما يتراجع في اللحظة الأخيرة بسبب تحوّل الحرب ليس إلى مجرّد حرب في الإقليم، وإنما أشمل من ذلك وأكبر وأخطر.

وربما سيستخدم أعتى أشكال القوة لابتزاز الوضع الدولي كلّه بحثاً عن مخارج «شاملة» يراها ممكنة بسبب «مخاوف» الآخرين على مصالحهم.

مصدر الأزمة كلّها هو الانكفاء التاريخي الجديد للنظام الرأسمالي، وللرأسمالية بعد أن أفلست مدرستها النيوليبرالية الجديدة، وفقدت القدرة على المنافسة مع معجزة القرن الجديد وهي الصين، التي تنمو بمعدّلات تفوق الثلاثة أضعاف تراكمياً منذ عقدين على الأقلّ، وفقدت الرأسمالية في هيئة مدرستها المفلسة القدرة على مجاراة الصين، وبعد أن فشلت في هزيمة روسيا عسكرياً.

ليس هذا فقط، فقدت الرأسمالية في شقّها الأميركي، وفي شقّها الأوروبي القدرة على التماسك والوحدة، وفقدت القدرة على مجاراة الصعود الصيني والصعود الروسي، وفقدت القدرة على الإقرار بحقائق العصر الجديد إلّا تحت ضغط الأزمات المحدقة والطارئة.

لكن من قال إن اليأس هو مجرّد مستشار سيئ؟ اليأس بالنمط القيادي السائد في «الغرب» يمكن أن يولّد أسوأ أنواع الشياطين، والتجربة النازية والفاشية ما زالت في الأذهان.