تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ
نشر بتاريخ: 2026/06/04 (آخر تحديث: 2026/06/04 الساعة: 22:41)

متابعات: كشف مسح وطني شامل عن أنَّ نحو ربع البالغين الأميركيين فوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلاً غذائياً واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الدماغ، ظناً منهم أنَّ ذلك يُحسِّن الذاكرة ويُعزِّز الانتباه والتركيز. إلا أن المشكلة تكمن في عدم وجود دليلٍ قاطعٍ يثبت فاعلية أيٍّ من هذه المكملات.

فوائد ملتبسة

في هذا الصدد، قال الدكتور بيتر كوهين، طبيب الباطنة في «تحالف كمبردج الصحي»، التابع لجامعة هارفارد والذي يركز الجزء الأكبر من جهوده البحثية على المكملات الغذائية: «ليس ثمة دليلٌ، يُشير إلى وجود مُكوِّنٍ في المكملات الغذائية، يُحسِّن صحة الدماغ. ولم يثبت أنَّ أيَّ مُكوِّنٍ مُصرَّحٍ به قانوناً في المكملات الغذائية، يعزز عمليات التفكير أو يمنع فقدان الذاكرة».

وتتركز المشكلة الرئيسة هنا في جميع المنتجات، التي تُباع دون وصفة طبية، في غياب الرقابة. جدير بالذكر أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية لا تُشرف على اختبار المنتجات أو دقة مُكوِّناتها، وإنما يقتصر دورها على مراقبة المكملات، التي تُروِّج لفوائد صحية مُرتبطة بعلاج أمراضٍ مُحدَّدة.

وفيما يتعلق بصحة الدماغ، هذا يعني أنَّ الجهة المصنِّعة للمُكمِّلات الغذائية يمكنها الادعاء أنَّ مُنتجها يُساعد على تعزيز اليقظة الذهنية أو الذاكرة، لكن لا يُمكنها الادعاء أنه يحمي من مرض ألزهايمر أو أيِّ شكلٍ آخر من أشكال الخرف، أو يُحسِّن من أعراضه. كما أن الجهات المصنِّعة غير ملزمة بتقديم أي دليل يدعم ادعاءاتها بفاعلية مكملاتهم الغذائية لصحة الدماغ.

الأهم أن هذا المستوى من الرقابة قد يتضاءل؛ فقد أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أنها تدرس تعديلاً في القواعد، من شأنه تخفيف عدد مرات ظهور التحذيرات على ملصقات المكملات الغذائية. وعلق الدكتور كوهين على هذا الأمر بقوله: «هذه خطوة بالغة الأهمية في الاتجاه الخاطئ».

وأضاف: «يواجه المستهلكون بالفعل كماً هائلاً من المعلومات المضللة، عند شراء المكملات الغذائية».

مزيج من العناصر الغذائية

يحتوي كثير من مكملات الدماغ على أحماض أوميغا 3 الدهنية (مثل تلك الموجودة في زيت السمك)، وفيتامين إي E، ومجموعة متنوعة من فيتامينات بيB، أو مزيج منها. إذن، ما سرّ هذه العناصر؟

من جهة أخرى، هناك أدلة قوية تشير إلى أن بعض الأنظمة الغذائية -مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، وحمية داش «DASH diet»، وحمية مايند «MIND diet»- قد تُسهم في تحسين الوظائف الإدراكية. وتحتوي هذه الأنظمة الغذائية على أطعمة غنية بالعناصر الغذائية سالفة الذكر.

ومع ذلك يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الاستفادة نابعة من مزيج العناصر الغذائية في هذه الأنظمة، أم من العناصر الغذائية الفردية أو كمياتها المحددة، أم من عوامل أخرى. ومن ناحيتهم، حاول الباحثون الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال اختبار تأثير هذه العناصر الغذائية الفردية على الصحة الإدراكية. وحتى الآن، لم تخلص الدراسات المحدودة، التي أُجريت في هذا الصدد، إلى أي دليل يثبت فائدتها، باستثناء حالات نادرة.

إلا أن هذا لا يعني أن مكملات الدماغ غير فاعلة، بل يعني فقط نقصاً في الأدلة، إن وُجدت، التي تُستخلص عادةً من التجارب السريرية العشوائية -المعيار الذهبي للبحث العلمي- حول ما إذا كانت الفيتامينات منفردة، أو عناصر غذائية أخرى، تُحسّن صحة الدماغ.

تحليل علمي للعناصر المفيدة

وفيما يلي موجز لما توصل إليه العلم حتى الآن ودلالاته:

أحماض أوميغا-3 الدهنية:

تُساعد أحماض أوميغا-3 الدهنية (Omega-3 fatty acids) في بناء أغشية الخلايا في الدماغ، وربما يكون لها كذلك تأثيرات مضادة للالتهابات ومضادة للأكسدة، تُمكنها من حماية خلايا الدماغ. بوجه عام، هناك ثلاثة أنواع من أحماض أوميغا-3: حمض الإيكوسابنتاينويك (EPA) وحمض الدوكوساهيكسانويك (DHA)، ويوجدان بوفرة في الأسماك الدهنية، مثل السلمون والماكريل. أما النوع الثالث، حمض ألفا لينولينيك (ALA) فيوجد في الخضراوات الورقية الخضراء (الكرنب، والبروكلي، والسبانخ)، والزيوت النباتية (الكانولا، وفول الصويا)، والمكسرات والبذور (الجوز، وبذور الكتان).

يحوّل الجسم حمض ألفا لينولينيك (ALA) إلى حمض إيكوسابنتاينويك أو حمض دوكوساهيكسانويك، لكن بكميات قليلة. لذا، فإن أفضل طريقة للحصول على كميات كبيرة من هذين الحمضين، تكمن في تناول مزيد من الأسماك. وتُعدّ الأسماك عنصراً أساسياً في حمية البحر الأبيض المتوسط وحمية «مايند»، وغيرها. وقد وجدت الدراسات ارتباطاً بين زيادة تناول الأسماك، وانخفاض خطر التدهور المعرفي.

مع ذلك، لم تُظهر مكملات أوميغا-3 المصنوعة من زيت السمك التأثير نفسه. وعليه، يبدو أن أي فائدة تأتي من زيادة تناول الأسماك، وليس من تناول مكملات زيت السمك. عن ذلك، قال الدكتور كوهين: «لستُ على علم بأي دليل جديد حول مكملات أوميغا-3 يشير إلى أنها تُحسّن وظائف الدماغ. ولذلك، فإنني لن أصفها أو أنصح بها المرضى».

> جنكة بيلوبا gingko biloba:

يستعين الطب الصيني التقليدي بأوراق شجرة الجنكة ذات الشكل المروحي، لعلاج مختلف الأمراض. في الولايات المتحدة، يُباع مستخلص هذه الأوراق في صورة مكمل غذائي يُعرف باسم الجنكة بيلوبا، وعلى رأس فوائده تحسين الذاكرة. مع ذلك، وكما الحال مع مكملات صحة الدماغ الأخرى، لا يدعم العلم هذه الادعاءات.

ومن بين إحدى كبرى التجارب السريرية، التي استكشفت هذه العلاقة المحتملة، دراسة تقييم الذاكرة باستخدام الجنكة (GEM). في إطارها، استعان الباحثون بما يزيد على 3000 شخص بالغ من كبار السن (متوسط أعمارهم 79 عاماً، 54 في المائة منهم رجال)، يتمتعون بوظائف إدراكية طبيعية، أو يعانون من ضعف إدراكي طفيف.

وتناول جميع المشاركين إما 120 ملّيغراماً من الجنكة وإما دواءً وهمياً (بلاسيبو) مرتين يومياً، على مدار نحو ست سنوات. وقد جرى تحديد هذه الكمية، بناءً على أبحاث سابقة. وخلصت النتائج إلى أن تناول الجنكة بيلوبا لم يُقلل من المعدل الإجمالي للإصابة بالخرف.

نظرة على مكملات صحة الدماغ

ويبقى التساؤل قائماً: في ظل غياب الأدلة، لماذا لا يزال الناس يشترون مكملات صحة الدماغ؟ يبدو أن السبب الرئيس هنا سهولة تناول حبة دواء، بدلاً من إجراء تغييرات جذرية في نمط الحياة.

بدلاً من ذلك، من الأفضل أن تستثمر في ممارسة مزيد من التمارين الرياضية، واتباع نظام غذائي نباتي. ومن شأن هذه الأمور أن تحسن الذاكرة وصحة الدماغ، على المدى الطويل، أكثر من أي مكمل غذائي.

في هذا الصدد، شرح الدكتور كوهين: «بما أن الشركات المصنعة تستطيع الإعلان دون أي دليل يدعم ادعاءاتها، فلا يمكنك الاعتماد على أيٍّ من الادعاءات المذكورة على العبوة. إذا كنت لا تزال مهتماً باستخدام أحد هذه المنتجات، فعليك الحديث إلى طبيبك، والاطلاع معه على الأدلة العلمية».

وقد يساعد تناول الفيتامينات المتعددة يومياً، على الحفاظ على حدة الدماغ مع التقدم في السن.

ورغم أن فوائد ما تُسمى بمكملات صحة الدماغ مشكوك فيها، فإن تجربة «كوسموس» COSMOS، التي قادتها جامعة هارفارد، تشير إلى أن البالغين، الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر، قد يستفيدون من تناول الفيتامينات المتعددة يومياً. وتُعادل آثارها تقريباً إبطاء التدهور المعرفي لمدة نحو عامين.

على نحو خاص، أظهر المشاركون الذين تناولوا الفيتامينات المتعددة لمدة نحو عامين، نتائج أفضل على صعيد الذاكرة العرضية -أي تذكُّر الأحداث والتجارب- مقارنةً بأقرانهم الذين تناولوا حبوباً غير فاعلة.