دمية ترامب أم ضحية نتنياهو؟ كيف قلبت حرب إيران المعادلة بين الرجلين
نشر بتاريخ: 2026/06/09 (آخر تحديث: 2026/06/10 الساعة: 01:53)

بعد مرور مئة يوم على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، تبدو المنطقة أمام مشهد مختلف تماماً عما كان يُروَّج له في الأسابيع الأولى من المواجهة. فما قُدِّم باعتباره عملية قادرة على إحداث تحول إستراتيجي سريع، تحول مع مرور الوقت إلى واحدة من أكثر الحروب تعقيداً وكلفة في العقود الأخيرة، حرب امتدت آثارها من الخليج العربي إلى شرق المتوسط، ومن أسواق الطاقة العالمية إلى جيوب المواطنين الأمريكيين.

ورغم أن عدد أيام الهدنة تجاوز عدد أيام القتال المباشر، فإن الحرب لم تتوقف فعلياً. فقد استمرت العمليات البحرية الأمريكية ضد الموانئ الإيرانية، وتواصلت العقوبات الاقتصادية، واستمرت المواجهات غير المباشرة عبر أكثر من جبهة إقليمية. وبات واضحاً أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الاستنزاف طويل الأمد، لا مرحلة الحسم السريع التي بُنيت عليها التوقعات الأولى.

وتكشف الأرقام حجم المأزق الذي وصلت إليه الحرب. أكثر من 4800 هجوم متبادل، وأكثر من ألف صاروخ توماهوك أطلقتها الولايات المتحدة، واستنزاف كبير للمخزون العسكري الأمريكي، وتعطيل ربع إمدادات النفط العالمية، واحتجاز أكثر من مليار برميل نفط داخل الخليج، وارتفاع تقديرات الكلفة النهائية للحرب إلى أرقام قد تتجاوز التريليون دولار. أما إيران، فعلى الرغم من الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة، لم تسقط، ولم ينهَر نظامها، ولم يتحقق الهدف الذي رُوِّج له في بداية الحرب.

هنا تبدأ القصة السياسية الحقيقية.

فوفق القراءة التي يتبناها كثير من المراقبين، فإن نتنياهو ومعه ديفيد برنيع قدّما لترامب تصوراً يقوم على أن إيران يمكن إخضاعها بسرعة، وأن الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية كفيلة بإحداث تصدع داخلي يقود إلى انهيار النظام أو إجباره على تقديم تنازلات جوهرية. ويبدو أن هذا التصور التقى مع قناعة لدى ترامب بأن الحسم السريع ممكن، وأن الملف الإيراني قد يتحول إلى إنجاز سياسي كبير يعزز صورته كرئيس قوي قادر على إعادة رسم خرائط المنطقة.

لكن ما حدث كان العكس تماماً.

فإيران لم تنهَر، ولم تتراجع بالشكل المتوقع، بل تمكنت من الصمود وفرض وقائع جديدة على الأرض. والأخطر بالنسبة لترامب أن الحرب بدأت تتحول من مشروع نصر سياسي إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي. فالرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض رافعاً شعار "سنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" وجد نفسه أمام حرب طويلة، وأسعار مرتفعة، واضطرابات في أسواق الطاقة، وضغوط اقتصادية وصلت آثارها إلى المواطن الأمريكي العادي.

ولم يعد تأثير الحرب مقتصراً على الأرقام العسكرية أو خسائر أسواق الطاقة، بل بدأ ينعكس مباشرة على المزاج الانتخابي داخل الولايات المتحدة. فترامب الذي يستعد لمعركة التجديد النصفي للكونغرس عام 2026 يدرك أن أي تراجع اقتصادي أو ارتفاع في الأسعار قد يتحول إلى هدية سياسية للديمقراطيين. كما يدرك أن الحزب الحاكم تاريخياً يدفع ثمناً في انتخابات منتصف الولاية، وأن استمرار الحرب بهذه الكلفة قد يهدد الأغلبية الجمهورية ويضعف نفوذه داخل الكونغرس.

ولهذا السبب تحديداً، بدأت حسابات ترامب تتغير.

فمع مرور الوقت، بدأت تظهر فجوة كبيرة بين الوعود والنتائج. لا انتصار حاسماً تحقق، ولا النظام الإيراني سقط، ولا الاقتصاد الأمريكي استفاد من المغامرة. بل على العكس، بدأت طهران تتصرف كطرف يفرض شروطه لا كطرف مهزوم يبحث عن مخرج.

ومن هنا دخل الملف مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها مفاوضات تشبه حوار الطرشان. فالولايات المتحدة لا تريد الذهاب إلى حسم عسكري شامل وما يفرضه ذلك من قوات برية وكلفة سياسية وعسكرية هائلة، فيما تزداد إيران تشدداً وتطالب بالإفراج عن أصولها المجمدة وإنعاش اقتصادها أولاً قبل أي تفاهمات كبرى. وبين الطرفين تتسع الفجوة بدلاً من أن تضيق، حتى باتت المفاوضات أشبه بحوار لا يسمع فيه أحد ما يقوله الطرف الآخر.

والأخطر من ذلك أن الحرب، بدلاً من أن تكسر الإرادة الإيرانية، دفعت طهران إلى محاولة فرض معادلات جديدة في المنطقة، سواء على مستوى الردع العسكري أو على مستوى شروط التفاوض. وهذا ما زاد الإحراج السياسي لترامب، الذي وجد نفسه أمام خصم لم ينكسر، وأمام حرب لم تُحسم، وأمام شارع أمريكي بدأ يتساءل عن جدوى كل هذه الكلفة.

وفي خضم هذا المشهد، عاد شبح قديم ليطل برأسه من جديد.

فعندما خسر ترامب انتخابات 2020 أمام جو بايدن، كان نتنياهو من أوائل المهنئين للرئيس الجديد. يومها لم يُخفِ ترامب غضبه، وذكّر مراراً بأنه لم يقدم أحد لإسرائيل ما قدمه هو، من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلى نقل السفارة الأمريكية إليها، وصولاً إلى الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.

قد تبدو تلك الحادثة قديمة، لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية لترامب. ومع تراكم أعباء حرب إيران، عاد كثيرون إلى استحضارها باعتبارها جزءاً من الخلفية التي تحكم نظرته الحالية إلى نتنياهو.

لكن التحول الأبرز لم يظهر إلا بعد أن بدأت الحرب تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي على إدارة ترامب. فمع تعثر تحقيق الأهداف التي رُسمت في بداية المواجهة، وتصاعد الضغوط الداخلية الأمريكية، وازدياد الكلفة الاقتصادية التي انعكست على حياة المواطن الأمريكي، بدأت تظهر مؤشرات توتر واضحة في العلاقة بين الرجلين.

فالحرب التي كان يُفترض أن تؤدي إلى إخضاع إيران أو دفعها إلى تقديم تنازلات كبيرة، انتهت إلى واقع مختلف تماماً. إيران لم تسقط، ولم تتراجع عن شروطها، بل ذهبت نحو تشديد مواقفها التفاوضية ومحاولة فرض معادلات جديدة في المنطقة، فيما وجدت واشنطن نفسها عالقة بين حرب لا تريد توسيعها ومفاوضات تشبه حوار الطرشان مع طهران.

وفي هذا السياق، بدأت الخلافات تظهر بصورة أوضح بين واشنطن وتل أبيب، خصوصاً عندما حاول نتنياهو الدفع نحو مستويات أعلى من التصعيد ضد إيران ولبنان، في وقت كانت الإدارة الأمريكية تبحث عن منع توسع الحرب وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تدفع ثمنها سياسياً واقتصادياً داخل الولايات المتحدة.

ومن هنا يمكن فهم المكالمات المتوترة التي جرت بين الطرفين، والغضب الذي أبداه ترامب تجاه محاولات توسيع دائرة الحرب. فالرئيس الأمريكي لم يعد ينظر إلى التصعيد من زاوية الحسابات الإسرائيلية فقط، بل من زاوية تأثيره المباشر على مستقبله السياسي وعلى انتخابات الكونغرس المقبلة، التي قد تحدد شكل ما تبقى من ولايته.

في هذا المناخ تحديداً بدأت تتغير نبرة ترامب تجاه نتنياهو. فالرجل الذي شعر أن الحرب التي دخلها على أساس وعود الحسم السريع تحولت إلى استنزاف مفتوح، وأن صورته اهتزت أمام العالم وأمام الإيرانيين وأمام جزء من ناخبيه، أخذ يكرر أكثر من مرة أن نتنياهو "إذا طلبت منه شيئاً فإنه يفعله".

ولم تكن هذه العبارة مجرد توصيف عابر للعلاقة بين الطرفين، بل بدت وكأنها جزء من عملية سياسية وإعلامية أوسع يحاول ترامب من خلالها إعادة كتابة الرواية. فبدلاً من أن يظهر كرئيس سار خلف تقديرات نتنياهو وبرنيع بشأن إيران، بات يحاول تقديم نفسه بوصفه الطرف الذي يمسك بالخيوط ويتحكم بالقرار، بينما يظهر نتنياهو في صورة التابع الذي ينفذ ما يُطلب منه.

وهنا تكمن المفارقة الساخرة. فالرجل الذي حاول إقناع ترامب بأن إيران ستُهزم بسرعة، وأن المنطقة ستخرج من الحرب بصورة مختلفة، أصبح يجد نفسه اليوم في مواجهة خطاب أمريكي يصوره أمام الإسرائيليين كرجل ينتظر التعليمات من البيت الأبيض. ومع كل مرة يكرر فيها ترامب هذه العبارة، تتسع دائرة الجدل داخل إسرائيل، وتزداد الانتقادات التي تتهم نتنياهو بأنه حوّل إسرائيل إلى دولة تابعة، وأن قراراتها الإستراتيجية لم تعد تُصنع في تل أبيب بقدر ما تُصنع في واشنطن.

وربما لهذا السبب بالذات تبدو تصريحات ترامب الأخيرة أقرب إلى تصفية حساب سياسية منها إلى مجرد توصيف للعلاقة بين حليفين. فهي تحمل في طياتها رسالتين في آن واحد: رسالة إلى الداخل الأمريكي تقول إن ترامب ليس الرجل الذي تم توريطه في حرب فاشلة، ورسالة إلى نتنياهو مفادها أن زمن التصرف وكأن كل شيء سيمضي وفق الرؤية الإسرائيلية قد انتهى.

وفي المقابل، لا تبدو الأزمة محصورة بترامب وحده. فداخل إسرائيل نفسها تتزايد الأسئلة حول مستقبل نتنياهو السياسي. فالحرب التي قُدمت للإسرائيليين باعتبارها خطوة ستغيّر وجه المنطقة، لم تحقق نتائجها الموعودة حتى الآن، فيما تتصاعد الأزمات الداخلية والانتقادات السياسية. ومع حلّ الكنيست والدخول في مرحلة انتخابية جديدة، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمستقبل الحرب، بل بمستقبل نتنياهو نفسه ومصيره السياسي. فالرجل الذي دخل الحرب وهو يعد الإسرائيليين بتحول إستراتيجي كبير، يجد نفسه اليوم أمام معركة مختلفة تماماً: معركة البقاء السياسي.

وإذا انتهت الانتخابات بخسارة نتنياهو للسلطة، فلن تكون المسألة مجرد انتقال سياسي طبيعي، بل قد تتحول إلى نقطة فاصلة في حياته السياسية والشخصية. فخروجه من الحكم قد يعيد ملفاته القضائية إلى الواجهة بقوة، ويضعه أمام استحقاقات حاول طويلاً تأجيلها وهو في موقع السلطة. وهنا تكمن المفارقة القاسية: الرجل الذي سعى إلى تسجيل اسمه باعتباره مهندساً لتحول تاريخي في الشرق الأوسط، قد يجد نفسه في نهاية المطاف يقاتل ليس من أجل تغيير المنطقة، بل من أجل مستقبله السياسي وحريته الشخصية.

وفي النهاية، يبدو أن الرجلين اللذين اعتقدا أن حرب إيران ستعيد رسم المنطقة بسرعة، يقفان اليوم أمام واقع مختلف تماماً. إيران لم تسقط، والحرب لم تُحسم، والاقتصاد العالمي دفع ثمناً باهظاً، والشارع الأمريكي بات أكثر قلقاً، والشارع الإسرائيلي أكثر انقساماً.

ويبقى السؤال الذي يزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم: هل يحاول ترامب الانتقام من نتنياهو مرتين؛ مرة بسبب تهنئته لبايدن عام 2020، ومرة لأنه أقنعه بحرب تحولت إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل؟ أم أن نتنياهو، الذي ظن أنه يقود ترامب نحو معركة تعيد تشكيل الشرق الأوسط، اكتشف متأخراً أن أول من سيُلقى من فوق السفينة عند اشتداد العاصفة هو هو نفسه؟ وهل يكون مصيره السياسي، وربما الشخصي، الثمن الأخير لحرب دخلها واثقاً من النصر، فإذا بها تتحول إلى لعنة تطارده من واشنطن إلى تل أبيب؟