غزة … ضحية الفصائل أم ضحية الحسابات الضيقة..؟؟
نشر بتاريخ: 2026/06/14 (آخر تحديث: 2026/06/14 الساعة: 14:26)

لم تعد غزة بحاجة إلى خطابات جديدة ولا إلى شعارات ترفع في المهرجانات والمؤتمرات، فغزة اليوم بحاجة إلى إجابة صريحة عن سؤال يطرحه كل أبٍ فقد ابنه وكل أم تنتظر لقمة العيش، وكل شاب سرقت سنوات عمره بين الحصار والحروب والانقسام. ولعلنا نتساءل، من أوصل القطاع إلى هذه الكارثة ؟

على مدار سنوات طويلة دفعت غزة أثماناً باهظة لصراعات سياسية لم تكن طرفاً فيها، وتحولت القضية من مشروع وطني جامع إلى ساحة تنافس بين قوى وفصائل انشغلت بتثبيت نفوذها أكثر من انشغالها ببناء مستقبل للناس. وبينما كانت القيادات تتبادل الاتهامات والخطابات كان المواطن الغزي يواجه الفقر والبطالة وانهيار الخدمات وتكرار الحروب التي لم تترك بيتاً إلا وطرقته بالموت أو الدمار . لقد نجحت الفصائل في إقناع الناس بالصبر لكنها فشلت في إقناعهم بأن هذا الواقع هو قدر لا يمكن تغييره، وبعد كل جولة من الألم كانت الوعود تتكرر، لكن النتائج بقيت نفسها، مزيد من الخراب، مزيد من الفقر ومزيد من العزلة التي جعلت غزة سجناً كبيراً يدفع سكانه ثمن حسابات لا يملكون قرارها .

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن المواطن البسيط لا يقيس الأمور بالشعارات، بل بما يراه على الأرض. ولذلك لم يكن غريباً أن يلتفت كثير من أبناء غزة إلى كل من مد لهم يد العون في أصعب الظروف، فمنذ سنوات ارتبط اسم محمد دحلان في أذهان آلاف العائلات بمشاريع إنسانية وإغاثية وبرامج دعم اجتماعي وصحي وتعليمي وصلت إلى شرائح واسعة من المجتمع، في وقت كان الناس يبحثون فيه عن من يخفف عنهم أعباء الحياة القاسية. كما أن الدعم الإماراتي حظي بحضور واضح في وجدان الكثير من الغزيين الذين لمسوا أثر المساعدات والمبادرات الإنسانية بشكل مباشر. فحين كان المواطن يبحث عن علاج أو مساعدة أو فرصة حياة كريمة، وجد مشاريع وبرامج تركت أثراً حقيقياً في حياته اليومية بعيداً عن المزايدات السياسية والصراعات الفصائلية .

إن ما يؤلم أبناء غزة اليوم ليس فقط حجم الدمار، بل شعورهم بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة مصير مجهول. فبعد سنوات من الشعارات الكبرى، يجد المواطن نفسه أمام واقع أكثر قسوة من أي وقت مضى بينما لا تزال بعض القوى السياسية تتعامل مع المأساة بعقلية تسجيل النقاط وتبادل المسؤوليات.

إن أكبر خطأ ارتكبته الفصائل الفلسطينية أنها جعلت مصلحة التنظيم تتقدم على مصلحة الوطن. وجعلت الولاء الحزبي يتفوق على احتياجات الناس، وعندما تغيب المراجعة والمحاسبة، تتحول الأخطاء إلى كوارث وتتحول الشعارات إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم .

غزة لا تحتاج اليوم إلى من يبرر الماضي بل إلى من يمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء والبحث عن حلول حقيقية تحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني، ويضع حياته وكرامته ومستقبله فوق كل الحسابات الفئوية والتنظيمية. لقد تعب أهل غزة من الانتظار ، وتعبوا من سماع الوعود ذاتها في كل أزمة ما يريدونه ببساطة هو قيادة تشعر بآلامهم، ومشروع يعيد لهم الأمل وشركاء يقفون إلى جانبهم بالفعل لا بالخطابات، وفي النهاية سيبقى الحكم الحقيقي بيد الناس أنفسهم، فهم وحدهم من عاشوا المعاناة، وهم وحدهم من يعرفون من كان حاضراً إلى جانبهم في ساعات الشدة ومن اكتفى بالكلام .