الشاهد الذي قُتل مع كل صورة ورواية
نشر بتاريخ: 2026/06/18 (آخر تحديث: 2026/06/19 الساعة: 02:45)

ليس سهلاً أن تكتب رواية أنت صاحبها... ولا أن تلتقط صورة لحدث أنت بوصلته... هنا لم يكن ما نقوم به مجرد عمل ومهنة يجب أن نمارسها... ونبدع فيها... ونسهر على إنجازها...هنا الفعل أنت، والمفعول به أنت، والماضي أنت، والمستقبل وحتى الحاضر أنت... هنا الصورة لا تقبل القسمة على اثنين... ولا الرواية تعود لهولاكو أو هتلر...أعود إلى البدايات... الخامسة فجراً انتهت مناوبتي كمراسل بالقناة، وأبلغت الزملاء أني سأستريح قليلاً بعد ليلة دامية... كانت أول مرة أضع فيها هاتفي على الوضع الصامت... غفوت من التعب لحظات قليلة... لا أعرف ما الذي أيقظني على ضوء هاتفي... عدد مكالمات غير طبيعي من أهلي... اتصلت بأخي الصغير... بصوت يملؤه الغضب والقلق قلت له: "شو في؟"... قال: "أختك أم خالد وأولادها استشهدوا"... أغلقت الهاتف وأسرعت إلى بيتها... وجدته حفرة كبيرة... ذهبت إلى منزل أهلي وأنا أنظر إلى عيون أمي وأبي... ولم أستطع التحدث أو السؤال معهما... أسرعت إلى المستشفى... هناك حيث التقت روحي بأجسادهم... يومها ودعت نفسي معهم.. وأيقنت أني عدت من فرنسا لألقي عليهم نظرة الوداع، وأدفنهم بيدي مستودعاً إياهم رحمة الله...

على طريق النزوح من غزة إلى الجنوب... اصطحبت أسرتي معي... الكاميرات في حضني... يدٌ تمسك عجلة القيادة وأخرى تمسك الهاتف... على الهواء أصف مشهد النزوح على طول شارع صلاح الدين... أبكي وأنا الشاهد؛ أتحدث عن الناس وأنا الناس... أصف مشاعر النزوح ومشاعري تحترق... حاولت التماسك حتى لا أُرهب أطفالي... لكنها كانت لحظة اقتلاع الروح من الجسد حين خرجنا من غزة...

على مدار أيام الحرب... اللحظات التي عشناها، مئات المرات التي نجونا فيها، كل قذيفة سقطت أمامنا... كل صاروخ كان بجوارنا... كل رصاصة اخترقت حاجز صمتنا... لم تكن لحظات عابرة بحياتنا... بل كانت جروحاً وندوباً في أرواحنا...

عندما كنا نخرج إلى التغطية... ليس هناك أصعب من أن تودع أطفالك يومياً... تنظر في أعينهم وتقول: "ربما لن أعود... ربما هذه آخر مرة نلتقي فيها"... وتدعو في سرك حتى لا تقلقهم: "في رعاية الله وحفظه"... ويُكتب لك عمر آخر وتعود...

تسهر ليلاً على أصوات القصف... وتقول في نفسك: "إذا كنا نحن الهدف، فمن منا سينجو؟ أي الأماكن هنا يمكن أن أحمي بها أطفالي؟ وإذا طُلب منا الإخلاء، إلى أين سنذهب وماذا نأخذ معنا؟ أأحمل أطفالي وأركض وأكتفي؟"... أقول هذا وأمر عليهم واحداً تلو الآخر أتفقد أنفاسهم... وأعود لا لأنام، بل لأبحث عن إجابات أصعب من إجابات الغيبيات...

وهنا أمام الكاميرا... في ساعات القصف والاستهداف... يسأل المذيع: "ما الذي يجري حولك يا أحمد؟"... سيارات الإسعاف لا تتوقف، والجرحى بالعشرات... يتوقف قلبك للحظة، ليس بسبب سؤال المذيع.. بل لسؤال النفس.. وقبل أن أجيب، أبحث في وجه كل جريح وشهيد... هل هناك أحد من عائلتي، أصدقائي، أو أحبابي؟... وأعود لأتمالك نفسي للإجابة اليومية، ولحظة النعي لمن ذهبوا في كل استهداف...

المشهد الأخير ...

أمرّ من أمام ثلاجة الموتى... أصوات الأمهات اللواتي يودعن أبناءهن وبكاؤهن... صراخ الأطفال في حضرة أجساد آبائهم... رجالٌ أزاحت الجبال في يوم ما... تداري دموعها حتى لا تهتز صورة رجولتها أمام المارة... عيونٌ تترقب الموت الذي يحيط بها مع كل نفس... ويبقى المشهد عقيماً أمام عدسة العالم الأعمى..