الانتخابات العامة الفلسطينية: حين يتحول الاستحقاق الى اداة لإدارة أزمة الشرعية الدستورية
نشر بتاريخ: 2026/06/21 (آخر تحديث: 2026/06/22 الساعة: 00:26)

لم تعد الانتخابات العامة في الحالة الفلسطينية مجرد استحقاق ديمقراطي مؤجل، بل تحولت الى عنوان صريح لازمة الشرعية الدستورية التي تخنق النظام السياسي الفلسطيني، فان اعادة استدعاء هذا الملف في هذه اللحظة لا تبدو تعبيرا عن ارادة جادة لتجديد الشرعية عبر صندوق الاقتراع بقدر ما تبدو محاولة سياسية لإدارة ازمة الشرعية لا حلها.

الأصل لا خلاف على ان الانتخابات هي الاداة الطبيعية لإعادة انتاج الشرعية وتجديد المؤسسات ورد السلطة الى مصدرها الشعبي، لكن هذا الاصل لا يقوم بمجرد الاعلان عن موعد انتخابي بل يفترض بيئة قانونية وسياسية وميدانية تسمح بانتخابات حرة وشاملة وذات أثر ملزم، فالانتخابات لا تقاس بوجود صندوق اقتراع فقط بل بوجود ناخب قادر على الاختيار الحر وسلطة عامة قادرة على ادارة الاقتراع بحياد ومجال عام يسمح بالتنافس، وقضاء يضمن نزاهة العملية ويفصل في منازعاتها، ومن دون هذه الشروط تتحول الانتخابات من وسيلة لبناء الشرعية الى مجرد صورة شكلية فوق واقع فاقد لأسسها.

ويعزز هذا المنظور ما قرره القانون الاساسي الفلسطيني المعدل، بوصفه المرجعية الدستورية الناظمة للحياة السياسية حين ربط شرعية السلطة بمبدأ الانتخاب الدوري وحق الفلسطينيين في التصويت والترشح، كما احال تنظيم العملية الانتخابية الى قانون الانتخابات العامة بوصفه الإطار الذي يحدد شروط الاقتراع وضماناته، وفي هذا السياق أكد على أن التوافق الفصائلي لا يعتبر شرطا قانونيا لازما لصحة الانتخابات او لقيامها ولكن لو تحققه يعد امرا ايجابيا ومفيدا لتوسيع قاعدة القبول السياسي بنتائجها، غير ان هذه النصوص مهما كانت صراحتها تفترض وجود بيئة سياسية وادارية وقانونية قادرة على تحويل الحق الانتخابي من نص دستوري مجرد الى ممارسة فعلية وملزمة.

وهنا تتجلى المعضلة الفلسطينية في اوضح صورها، فقطاع غزة بعد الحرب ليس ساحة انتخابية بل ساحة استثنائية بكل المعاني السياسية والدستورية، فالدمار الواسع وتعطل الادارة وغياب الاستقرار وانهيار جزء من البنية المؤسسية كلها عوامل تجعل من الحديث عن انتخابات عامة في هذه اللحظة أقرب الى القفز فوق الواقع منه الى معالجته، فالانتخابات التي تجرى في ظل هذا المشهد لن تكون تعبيرا سليما عن الارادة الشعبية بل اجراء ناقصا يفتقد الى حد معقول من المشروعية السياسية والدستورية.

لا يبدو بعيدا عن المنطق القول ان استدعاء السلطة الفلسطينية لملف الانتخابات العامة بما في ذلك انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قد يقرأ بوصفه محاولة لإعادة ترتيب موقع مؤسساتها داخل معادلة الشرعية، تحت ضغط داخلي وخارجي متصاعد يطالب بإصلاح النظام السياسي وتجديد مؤسساته، غير ان الاولوية الوطنية لا تكمن اليوم في رفع شعار الانتخابات بل في استكمال البناء الدستوري وانهاء حقبة الانقسام والتعامل الجاد مع المرحلة الانتقالية المتوقعة في غزة بما يضمن وحدة الوطن والمؤسسات، يضاف الى ذلك ان اي دعوة جديدة للانتخابات ستصطدم على الارجح بالعقبة ذاتها المتعلقة برفض الاحتلال اجراءها في القدس وهي الذريعة التي استندت اليها الرئاسة سابقا لتبرير تعطيل الانتخابات.

لذا الموقف الاكثر اتزانا لا يكمن في رفض الانتخابات بل في حماية معناها وجوهرها، والقول بوضوح ان الظروف الاستثنائية في الاراضي الفلسطينية المحتلة ولا سيما قطاع غزة، لا تسمح في الوقت الراهن بإجراء انتخابات عامة ذات أثر دستوري سليم، فالشرعية لا ترمم بموعد انتخابي بل تستعاد حين تصبح الانتخابات خاتمة لمسار وطني وقانوني متكامل، لا اداة جديدة لإدارة مازق الشرعية الدستورية تحت عنوان الاستحقاق.