في الوقت الذي تتغنى فيه الأسرة الدولية بحقوق الإنسان، يواصل الأسرى الفلسطينيون دفع أثمان باهظة خلف قضبان الاحتلال، حيث التعذيب، والعزل، والإهمال الطبي، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. ومع استمرار الصمت الدولي، تبدو حياة الأسرى وكأنها خارج حسابات العدالة، بينما يواصل الاحتلال انتهاكاته دون رادع أو مساءلة.
ويجسد الدكتور حسام أبو صفية اليوم واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا. فالطبيب الذي كرّس حياته لعلاج المرضى وإنقاذ الجرحى، يواجه ظروفًا قاسية داخل المعتقل، في ظل ما يُتداول عن تعرضه للتعذيب، والحرمان من العلاج، وتدهور حالته الصحية، حتى باتت المخاوف تتزايد من أن يتحول الإهمال الطبي إلى وسيلة للموت البطيء خلف القضبان.
إن استهداف الكفاءات الفلسطينية، وفي مقدمتها الأطباء، لا يمكن النظر إليه باعتباره حوادث منفصلة، بل يندرج ضمن سياسة تستهدف الإنسان الفلسطيني وكفاءاته الوطنية. وقد عزز استشهاد الطبيبين عدنان البرش وإياد الرنتيسي بعد اعتقالهما عام 2024، إلى جانب وفاة أكثر من مائة أسير منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، هذه المخاوف، ورسخ القناعة بأن حماية الأسرى لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل.
لقد طال انتظارنا لتفعيل القوانين والمواثيق الدولية التي وُضعت لحماية الأسرى وصون كرامتهم، لكن الواقع يؤكد أن هذه النصوص ما زالت عاجزة عن وقف الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها. فأين المجتمع العربي؟ وأين العالم الغربي الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان؟ وأين المؤسسات الحقوقية والطبية التي يفترض أن تكون الحصن الأخير للعدالة والإنسانية؟
إن هذه الأسئلة لم تعد مجرد صرخة ألم، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمصداقية المنظومة الدولية بأسرها. وإذا كانت الآليات الحالية عاجزة عن حماية الأسرى والشعب الفلسطيني، فإن من حقنا أن نطالب بتحرك دولي أكثر فاعلية يضمن احترام القانون الدولي، ويضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.
وفي المقابل، تقع علينا مسؤولية وطنية لا تقل أهمية، تتمثل في بناء قوة ضغط إعلامية قادرة على إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم بلغاته المختلفة. فالمعركة لم تعد ميدانية فحسب، بل أصبحت أيضًا معركة وعي ورأي عام، تتطلب إعلامًا مهنيًا، وأقلامًا حرة، وخطابًا موحدًا يدافع عن الحقيقة، ويكشف الانتهاكات، ويحشد التضامن الدولي مع الأسرى وحقوق الشعب الفلسطيني.
إن إنقاذ الدكتور حسام أبو صفية اليوم ليس واجبًا إنسانيًا فحسب، بل هو اختبار لضمير العالم. كما نحمّل سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامته وحياته، وعن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، آملين أن ينتصر القانون للإنسان، وأن تتحول العدالة من شعارات تُرفع إلى أفعال تُنقذ الأرواح.