المشهد الفلسطيني بين المخاض السياسي وخطر المولود المشوّه
نشر بتاريخ: 2026/08/18 (آخر تحديث: 2026/08/18 الساعة: 17:37)

لا شك أن الواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيداً وألما. فالمشهد لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة أو خلاف بين قوى وتيارات، وإنما أصبح حالة مركبة تتداخل فيها عوامل الاحتلال والحرب والانقسام الداخلي، مع أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية، وغياب أفق واضح للمستقبل. وفي خضم هذا الواقع، يبدو المجتمع الفلسطيني وكأنه يعيش مرحلة مخاض عسير ، والمخاض بطبيعته قد يقود إلى ولادة جديدة، لكنه قد ينتهي أيضا إلى مولود مشوّه إذا غابت الرؤية واختلت البوصلة.

إن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط قوة الضغوط والتدخلات الخارجية، وإنما الارتباك في التعامل معها. فالمشهد السياسي يبدو في كثير من الأحيان أسير ردود الفعل، بينما تتراجع القدرة على إنتاج المبادرات والمشاريع التي تستند إلى رؤية وطنية بعيدة المدى. وبين مشروع وآخر، وموقف وآخر، يجد المواطن نفسه أمام حالة من عدم اليقين: إلى أين يتجه المشروع الوطني؟ وما هي أهدافه الواقعية؟ ومن يمتلك القدرة على تمثيله والدفاع عنه وإعادة صياغته بما يتناسب مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم؟

لقد أفرز الانقسام الفلسطيني الممتد واقعاً سياسياَ هشا، جعل الخلافات الداخلية تتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي في الرؤى والبرامج، لتتحول أحياناً إلى حالة من الاستقطاب الذي يستهلك طاقة المجتمع ويضعف قدرته على مواجهة التحديات الكبرى. وليس المقصود هنا إلغاء التعدد السياسي أو مصادرة حق الاختلاف، فالتعدد ضرورة لأي مجتمع حي، وإنما المشكلة تكمن في غياب القواعد الوطنية التي تجعل الاختلاف وسيلة للإثراء لا سببًا للانقسام، وتجعل التنافس السياسي جزءاً من عملية بناء المشروع الوطني بدل أن يتحول إلى عامل من عوامل هدمه.

وفي الجانب الاجتماعي، لا يمكن فصل الأزمة السياسية عن التحولات التي أصابت بنية المجتمع الفلسطيني. فسنوات طويلة من الصراع والانقسام والحصار والفقر والبطالة والتهجير وعدم الاستقرار تركت آثارا عميقة على الفرد والأسرة والمجتمع. ومع تراجع الأمل في المستقبل، تتسع المسافة بين المواطن والسياسة، ويزداد الشعور بأن النخب السياسية منشغلة بصراعاتها أكثر من انشغالها بالأسئلة اليومية التي تؤرق الناس: الأمن، والكرامة، والعمل، والتعليم، والصحة، وإعادة الإعمار، ومستقبل الأبناء.

وهنا تكمن خطورة إضافية فالمجتمعات التي تفقد الثقة بقدرتها على تغيير واقعها تصبح أكثر قابلية لليأس أو للتطرف أو للبحث عن حلول فردية. وعندما يتراجع الشعور بالمصلحة الوطنية المشتركة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام المشاريع التي تسعى إلى إعادة تشكيل هويته السياسية والاجتماعية وفق مصالح الآخرين.

إن الحديث عن «مولود مشوّه» لا يعني التشاؤم من المستقبل، بل هو تحذير من أن الولادة السياسية الجديدة، إن حدثت من دون مراجعة عميقة، قد تنتج واقعاً لا يحقق تطلعات الفلسطينيين. فقد تكون هناك ترتيبات سياسية جديدة، أو صيغ إدارية مختلفة، أو تفاهمات بين أطراف متعددة، لكن السؤال يبقى: هل ستؤدي هذه الترتيبات إلى استعادة وحدة المجتمع والمشروع الوطني، أم ستنتج واقعاً جديداً يكرس التجزئة والانقسام؟

إن المطلوب ليس مجرد تغيير في الأشخاص أو تبديل في مواقع السلطة، وإنما مراجعة شاملة للمسار. مراجعة تعترف بالأخطاء، وتفصل بين الثوابت الوطنية وبين الاجتهادات السياسية، وتعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الفصائل والمواطن، وبين المقاومة والسياسة، وبين الداخل والخارج. والأهم أن تضع الإنسان الفلسطيني في مركز المشروع، لا باعتباره موقداً للصراع، وإنما باعتباره صاحب الحق والمصلحة والمستقبل.

ولعل أول شروط الخروج من الأزمة هو الاعتراف بأن أحدا لا يستطيع إدارة المرحلة منفرداً. فالقضية الفلسطينية أكبر من فصيل، وأوسع من سلطة، وأعمق من خلاف سياسي. وهي قضية شعب له حقوق وطنية وتاريخية، ولا يمكن اختزالها في حدود إدارة أزمة أو الحصول على اعتراف مؤقت أو تحسين شروط الحياة في ظل واقع سياسي دائم الأزمة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية. الوحدة لا تعني أن يتفق الفلسطينيون على كل شيء، فهذا غير واقعي، وإنما تعني الاتفاق على قواعد الاختلاف وعلى الحد الأدنى من المصالح الوطنية المشتركة. فليكن هناك تعدد في البرامج، ولكن ضمن إطار وطني جامع. وليكن هناك اختلاف في الوسائل، ولكن من دون تحويل الخلاف إلى اقتتال سياسي أو اجتماعي. وليكن هناك نقاش صريح حول المستقبل، لكن بعيداَ عن التخوين والإقصاء.

كما أن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى إجراءات ملموسة، لا إلى شعارات. المواطن يريد أن يرى مؤسسات أكثر شفافية، ومحاسبة حقيقية، وعدالة في توزيع الموارد، واحتراماَ للقانون، ومساحة أوسع للمشاركة السياسية والاجتماعية. فالمشروع الوطني الذي لا يمنح المواطن شعورا بالكرامة والعدالة يصبح مع مرور الوقت مجرد خطاب سياسي منفصل عن الواقع.

إن المرحلة المقبلة تحتاج أيضا إلى جيل جديد من التفكير السياسي. جيل لا يعيش أسير مفردات الماضي، ولا يتعامل مع المتغيرات الجديدة بعقلية قديمة، ولا يختزل السياسة في الشعارات. فالواقع الفلسطيني تغير، والعالم تغير، والإقليم تغير، وأدوات الصراع تغيرت، وبالتالي فإن الحفاظ على الثوابت لا يعني الجمود في الوسائل والأدوات.

المطلوب هو عقل سياسي قادر على الجمع بين الواقعية والمبدأ، وبين القدرة على التكيف والحفاظ على الهوية، وبين قراءة موازين القوى وعدم الاستسلام لها. فليس من الواقعية أن نتجاهل موازين القوى، كما أن الواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق. وبين هذين الحدين يمكن أن يتشكل مشروع سياسي أكثر نضجا وقدرة على الاستمرار.

وفي النهاية، فإن المخاض الفلسطيني قد يكون فرصة تاريخية بقدر ما هو أزمة خطيرة. فالأزمات الكبرى تفتح أحيانا الباب أمام إعادة التأسيس، لكنها قد تؤدي أيضا إلى مزيد من التفكك إذا لم تُدار بوعي ومسؤولية. والاختبار الحقيقي ليس في القدرة على عبور المرحلة الحالية فقط، وإنما في القدرة على إنتاج مستقبل فلسطيني أكثر وحدة وعدالة ووضوحا.

إن «المولود» الذي سيخرج من هذا المخاض لن تحدده الظروف وحدها، بل ستسهم في تشكيله خيارات الفلسطينيين أنفسهم. فإذا استمر الارتباك، وغلبت الحسابات الفئوية، وبقي الانقسام هو القاعدة، فقد تكون النتيجة واقعا مشوها يضيف أزمة جديدة إلى أزمات الماضي. أما إذا تحولت هذه اللحظة إلى فرصة للمراجعة والمصالحة وإعادة بناء المؤسسات وتجديد المشروع الوطني، فقد يكون المخاض، رغم قسوته، بداية ولادة فلسطينية جديدة.

فالمستقبل لا يولد تلقائيا من رحم الأزمات إنه يُصنع بالوعي، وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء، وبالشجاعة في مراجعة الذات، وبامتلاك رؤية تتجاوز اللحظة إلى ما بعدها. وربما تكون المهمة الأكثر إلحاحا اليوم هي أن يتوقف الفلسطينيون قليلا أمام المرآة، لا ليسألوا فقط: من المسؤول عن أزمتنا؟ بل ليسألوا سؤال أكثر أهمية : أي فلسطين نريد أن تولد من هذا المخاض؟