محمد دحلان.. فرصة فلسطين للخروج من أسر الماضي
نشر بتاريخ: 2026/08/20 (آخر تحديث: 2026/08/20 الساعة: 23:04)

لم تعد أزمة القضية الفلسطينية اليوم أزمة غياب التضحيات، ولا نقصًا في الشعارات، ولا فقرًا في الرموز التاريخية.

لقد قدّم الفلسطينيون من الدم والصبر والثبات ما يكفي لإقامة الحجة على العالم كله. الأزمة الحقيقية أصبحت أزمة قيادة قادرة على تحويل التضحيات إلى سياسة، والسياسة إلى نتائج، والنتائج إلى حياة كريمة ودولة قابلة للبقاء.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يبرز محمد دحلان بوصفه واحدًا من أكثر الأسماء الفلسطينية قدرة على تمثيل مرحلة جديدة، لا لأنها مرحلة قطيعة مع التاريخ، بل لأنها تحتاج إلى رجل يعرف التاريخ جيدًا، عاش تناقضاته، ودفع أثمانه، ثم تعلّم أن فلسطين أكبر من خلافات فتح، وأكبر من صدامات حماس، وأكبر من حسابات التنظيمات والمحاور.

محمد دحلان ليس وافدًا على القضية من بوابة الدبلوماسية أو المال أو العواصم. هو ابن مخيم خان يونس، ابن البيئة الفلسطينية الأكثر التصاقًا بالفقر واللجوء والاحتلال. عرف السجن الإسرائيلي شابًا، وعرف التنظيم والحركة الوطنية، وعاش تجربة الانتفاضة، ثم دخل مع ياسر عرفات إلى مرحلة بناء السلطة الفلسطينية، وعرف من داخلها تعقيدات الأمن والسياسة والتفاوض، قبل أن يعيش بدوره مرارة الصراع الداخلي والإقصاء والمنفى.

وهذه السيرة، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات وخصومات، تمنحه شيئًا لا تصنعه الجامعات ولا تمنحه المكاتب: معرفة الفلسطيني كما هو، لا كما تصفه التقارير.

يعرف نفسية المخيم لأنه خرج منه. ويعرف لغة فتح لأنه ابن مدرستها. ويعرف حماس لأنها كانت خصمًا له ثم أصبحت طرفًا يستطيع الجلوس معه. ويعرف الدولة العربية بمنطقها ومصالحها وحدودها. ويعرف واشنطن والعواصم الغربية.

ويعرف أيضًا طبيعة التفكير الإسرائيلي، وهي معرفة لا غنى عنها لأي قيادة تريد انتزاع نتائج سياسية من خصم لا يكفي تجاهه الغضب وحده.

هذه التركيبة هي التي تجعل الحديث عن دحلان اليوم مختلفًا عن الحديث عن مجرد مرشح لرئاسة السلطة الفلسطينية.

المسألة أكبر من خلافة محمود عباس.

فالقضية الفلسطينية تعاني منذ سنوات طويلة من شيخوخة سياسية لا تتعلق بالأعمار وحدها، وإن كانت الأعمار دالة عليها. جيل القيادة التاريخية في فتح أدى دوره في ظروف شديدة التعقيد، وقدم تضحيات هائلة، ولا يجوز اختزال تاريخه في إخفاقات المرحلة الأخيرة. لكن الوفاء للجيل المؤسس لا يعني تحويله إلى بديل دائم عن التجديد.

هناك فرق بين احترام التاريخ وبين السكن فيه.

والسياسة التي لا تجدد نخبها تتحول مع الزمن إلى إدارة للماضي.

أما فلسطين اليوم فتحتاج إلى من يدير المستقبل.

وفي الجهة الأخرى، انتهت تجربة المقاومة المسلحة المنفصلة عن أفق سياسي واقعي إلى مأزق شديد الكلفة. ليس لأن حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال محل نقاش، وإنما لأن المقاومة ليست غاية في ذاتها. الغاية هي الحرية، وإنهاء الاحتلال، وحماية الإنسان، وبناء الدولة.

وحين تتحول المقاومة إلى دورة متكررة من الحرب والحصار والدمار، بينما تبقى الأرض محتلة والدولة غائبة والمواطن هو الذي يدفع الثمن في كل مرة، يصبح واجبًا مراجعة الأدوات، لا التخلي عن الحقوق.

الفلسطيني الذي خرج من تحت الركام لا يحتاج إلى خطيب يقنعه بأن الموت بطولة.

هو يعرف معنى التضحية أكثر من الجميع.

إنه يحتاج إلى قائد يسأله: كيف نمنع الحرب القادمة؟ كيف نبني بيتك؟ كيف نعيد المدرسة؟ كيف نجد عملًا لابنك؟ كيف نحمي القدس؟ كيف نوحد غزة والضفة؟ وكيف نجعل الفلسطيني صاحب قرار لا وقودًا في معارك الآخرين؟

هنا تبرز قيمة التجربة التي راكمها محمد دحلان خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ سنوات وهو يشتغل على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الصعوبة فلسطينيًا: أن الخصومة السياسية لا تعني الإلغاء الوطني.

وهذا ما ظهر بوضوح منذ تفاهمات القاهرة سنة 2017 بين تياره وقيادة حماس في غزة.

لم تكن العلاقة بين دحلان وحماس سهلة ولا طبيعية. بالعكس، حمل الطرفان ذاكرة دامية من أحداث 2007، وكانت بينهما خصومة بلغت أقسى درجات الصراع الفلسطيني الداخلي. ومع ذلك، استطاع الطرفان الانتقال من منطق الثأر إلى منطق البحث عن المشتركات.

وهنا ينبغي التوقف.

فالزعيم الحقيقي ليس من لا يختلف مع أحد.

ذلك مستحيل.

الزعيم هو من يعرف متى يضع خلافاته خلفه عندما تصبح مصلحة الوطن أكبر منها.

لهذا كانت العلاقة التي تشكلت بين محمد دحلان ويحيى السنوار في تلك المرحلة ذات دلالة تتجاوز الرجلين. فكلاهما من خان يونس، وكلاهما عرف السجون الإسرائيلية، لكنهما انتميا إلى مسارين سياسيين متصارعين. ومع ذلك استطاعا فتح باب تفاهم حول غزة، ومعبر رفح، والأوضاع الإنسانية، والمصالحة المجتمعية.

ثم تحولت تلك القنوات إلى علاقات أوسع بين قيادات التيار الديمقراطي وقيادات حماس.

وبرز سمير المشهراوي، بما يمتلكه من خبرة فلسطينية وعلاقات داخل غزة وخارجها، واحدًا من أهم الجسور التي أبقت الحوار قائمًا مع قيادات حماس، بما فيها إسماعيل هنية وموسى أبو مرزوق وغيرهما.

هذه العلاقات لا تعني أن دحلان أصبح حمساويًا، ولا أن حماس تخلت عن مشروعها لصالحه.

قيمتها الحقيقية في أمر آخر: أنها تثبت إمكان بناء مساحة فلسطينية مشتركة فوق التنظيمات.

وهذا ما تحتاجه فلسطين الآن تحديدًا.

فالمرحلة المقبلة لا يمكن أن تُبنى على قاعدة انتصار فصيل على آخر.

إذا عادت فتح إلى غزة لتنتقم من حماس فستبدأ حرب أهلية جديدة.

وإذا أرادت حماس الاحتفاظ بغزة بمنطق السلطة المسلحة فلن تولد الدولة الفلسطينية.

وإذا استمر النظام السياسي في رام الله كما كان قبل الحرب فلن يثق به جيل فلسطيني كامل.

الحل لا يكون بإلغاء أحد، وإنما بإدخال الجميع في نظام سياسي جديد يحتكم إلى الانتخابات والمؤسسات والقانون.

من هنا تبدو اللقاءات الأخيرة بين قيادة حماس ومحمد دحلان امتدادًا لمنطق سياسي بدأ يتشكل منذ سنوات: فلسطين أولًا، ثم التنظيمات بعد ذلك.

وهو منطق بالغ الأهمية، لأن المرض الأعمق في السياسة الفلسطينية لم يكن فقط الاحتلال، بل أيضًا تحول التنظيمات مع الزمن إلى جزر منفصلة، لكل واحدة لغتها وذاكرتها وشهداؤها ومصالحها وحلفاؤها في الخارج.

وعندما تصبح مصلحة التنظيم مساوية لمصلحة الوطن تبدأ المشكلة.

وعندما تصبح أعلى منها تبدأ الكارثة.

دحلان يستطيع أن يقدم في هذا المجال شيئًا مختلفًا، إذا حافظ على المسار الذي يبدو أنه اختاره: ألا يعود إلى فتح ليطرد خصومه، ولا يدخل في تحالف مع حماس ليحارب فتح، بل أن يعمل على بناء كتلة وطنية جديدة تستعيد فكرة النظام السياسي الجامع.

وهذا يعني أن المستقبل الفلسطيني يحتاج إلى إعادة بناء منظمة التحرير، وإعادة الاعتبار للمجلس الوطني، وإجراء انتخابات حقيقية، وتوحيد المؤسسات بين غزة والضفة، واستيعاب حماس والجهاد وبقية القوى داخل الشرعية الفلسطينية الجامعة، لا إبقاء بعضها خارج النظام وحمل بعضها الآخر السلاح فوقه.

والميزة الثانية التي يمتلكها دحلان هي قدرته على التحرك في الإقليم.

هذه ليست مسألة هامشية.

الفلسطينيون لا يعيشون في جزيرة.

مصر تتحكم في واحد من أهم أبواب غزة إلى العالم.

الأردن جزء أساسي من المعادلة السياسية والأمنية والجغرافية.

دول الخليج قادرة على تمويل إعادة الإعمار.

الولايات المتحدة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية كبرى.

أوروبا لاعب مالي وسياسي رئيسي.

وإسرائيل، مهما كانت قسوة الصراع معها، هي الطرف الذي لا يمكن إنهاء الاحتلال من دون مفاوضته أو فرض تسوية سياسية عليه ضمن معادلة دولية.

إذن، ما القيمة في قائد يملك خطابًا ثوريًا عظيمًا لكنه لا يستطيع الوصول إلى أي من هذه العواصم؟

دحلان يمتلك شبكة علاقات واسعة تشكل في المرحلة القادمة رأسمالًا سياسيًا لا يقل أهمية عن الشعبية الداخلية.

وإذا أحسن توظيفها لفلسطين لا لنفسه، فإنها قد تصبح إحدى أهم أدوات إعادة بناء غزة وإطلاق مسار سياسي جديد.

وهنا تظهر أهمية العلاقة التي بناها في الإمارات خلال سنوات إقامته فيها.

الإمارات ليست بالنسبة إلى غزة مجرد دولة مانحة. لقد راكمت خلال السنوات الماضية حضورًا واسعًا في المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية، وأصبحت تمتلك قدرة مالية ولوجستية وسياسية يمكن أن تكون بالغة الأهمية في إعادة الإعمار.

ودحلان بحكم موقعه وعلاقاته يستطيع أن يكون جسرًا بين الاحتياجات الفلسطينية وبين هذه القدرات العربية والدولية.

ومعركة فلسطين القادمة لن تكون فقط معركة القرارات السياسية.

ستكون معركة إعادة بناء مجتمع كامل.

غزة تحتاج إلى مساكن ومدارس ومستشفيات وجامعات ومياه وكهرباء وشبكات صرف ومصانع وفرص عمل.

وتحتاج قبل ذلك كله إلى إعادة الأمل إلى مئات الآلاف من الأطفال والشباب.

فالإنسان الذي لا يرى أمامه سوى المخيم أو البطالة أو الهجرة أو الحرب لا يمكن أن تُبنى به دولة مستقرة.

ومن هذه الزاوية أيضًا ينبغي قراءة النشاط الإنساني والاجتماعي الذي ارتبط باسم الدكتورة جليلة دحلان خلال سنوات طويلة.

فالعمل الذي قامت به من خلال المؤسسات الإنسانية والاجتماعية في غزة، سواء في دعم العائلات المحتاجة أو مساعدة الشباب أو ذوي الإعاقة أو تنظيم مبادرات اجتماعية وأعراس جماعية وغيرها، ليس تفصيلًا منفصلًا عن المشروع الوطني.

قد ينظر البعض إلى هذه الأعمال باعتبارها مجرد إحسان اجتماعي.

لكنها في الحقيقة تمس أحد أكثر الأسئلة حساسية في فلسطين: كيف نحفظ المجتمع عندما تنهار السياسة؟

فالناس لا يعيشون بالشعارات.

والأسرة الفلسطينية التي فقدت بيتها تحتاج إلى مساعدة.

والشاب الذي يريد الزواج يحتاج إلى أفق.

والطفل الذي أصيب في الحرب يحتاج إلى علاج.

وذوو الإعاقة يحتاجون إلى كرامة ورعاية.

والمرأة التي فقدت معيلها تحتاج إلى مؤسسة تقف إلى جانبها.

هذه هي فلسطين الحقيقية أيضًا.

ليس كل الوطن مؤتمر قمة أو اجتماع فصيل.

الوطن حياة الناس اليومية.

ومن يعرف هذا الجانب يستطيع أن يفهم لماذا لا تكفي الشرعية الثورية وحدها لبناء المستقبل.

دحلان، بهذا المعنى، يمكن أن يمثل جسرًا بين ثلاثة أجيال فلسطينية.

جيل الثورة الذي عرف ياسر عرفات.

وجيل السلطة الذي عرف تجربة أوسلو والانقسام.

وجيل جديد ولد في ظل الحصار والحروب ولا يريد أن يرث خلافات آبائه إلى الأبد.

هذا الجيل الثالث هو الأهم.

إنه يشكل اليوم الكتلة البشرية والسياسية الكبرى في المجتمع الفلسطيني.

جيل يعرف العالم عبر الهاتف، ويرى كيف يعيش الشباب في الدول الأخرى، ويريد حرية الحركة والتعليم والعمل والسفر والكرامة.

ولا يريد أن يسمع كل عشر سنوات الخطاب نفسه، ثم يدخل الحرب نفسها ويخرج من تحت الركام نفسه.

هذا الشباب ليس أقل وطنية من الأجيال السابقة.

لكن مفهوم الوطنية عنده يتغير.

الوطنية بالنسبة إليه لا تعني فقط الاستعداد للموت من أجل فلسطين.

تعني أيضًا الحق في أن يعيش في فلسطين.

وهذه ربما أهم معادلة ينبغي للقيادة المقبلة أن تفهمها.

الفلسطيني يريد وطنًا يستحق أن يموت من أجله، لكنه يريد أيضًا وطنًا يستطيع أن يعيش فيه.

ومن هنا لا ينبغي تقديم محمد دحلان باعتباره «الرجل الذي سيهزم الآخرين».

هذه ستكون بداية فشله.

قيمته الحقيقية يمكن أن تكون في العكس تمامًا: أنه الرجل الذي يستطيع أن يجمع من كان يستحيل جمعهم.

فتح وحماس.

غزة والضفة.

السلطة والفصائل.

مصر والإمارات.

العرب والولايات المتحدة.

وحتى الأطراف الدولية التي تختلف جذريًا في مقاربتها للقضية.

ليس المطلوب منه أن يكون مقبولًا من الجميع.

لا يوجد قائد حقيقي يحظى بالإجماع.

المطلوب أن يستطيع التعامل مع الجميع.

وهذا فرق جوهري.

لقد عانت فلسطين طويلًا من قيادات تقيس نقاءها السياسي بعدد من لا تتحدث معهم.

بينما الدول لا تُبنى بهذه الطريقة.

الدول يبنيها رجال يعرفون كيف يتحدثون مع الصديق والخصم والحليف والمنافس، ويعرفون متى يتنازلون في التكتيك من دون أن يتنازلوا في الحق.

سيظل لدحلان خصوم.

وسيظل ماضيه موضوع جدل.

وسيظل البعض يقرأه من خلال صراعاته القديمة داخل فتح أو أحداث غزة أو علاقاته الإقليمية.

لكن الدول لا تختار قياداتها على أساس من كانت سيرته أقل جدلًا.

إنها تختار من يستطيع أن يجيب عن أسئلة المستقبل.

هل يستطيع توحيد النظام السياسي؟

هل يستطيع فتح أبواب الإعمار؟

هل يستطيع إعادة غزة إلى قلب المشروع الوطني؟

هل يستطيع إخراج السلاح من الصراع الداخلي؟

هل يستطيع إعادة القرار الفلسطيني من العواصم المتصارعة إلى الفلسطينيين؟

وهل يستطيع بناء علاقة جديدة مع العالم أساسها أن فلسطين دولة تريد الحياة والحرية، لا ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين؟

إذا استطاع محمد دحلان أن يحمل هذا المشروع، فإنه لن يحتاج إلى تقديم نفسه باعتباره وريث ياسر عرفات، ولا بديلًا شخصيًا لمحمود عباس، ولا خصمًا لحماس.

سيكون أمامه دور أكبر بكثير:

أن يكون رجل المرحلة الانتقالية الفلسطينية.

مرحلة تنقل فلسطين من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الانتخابية.

ومن شرعية السلاح إلى شرعية الدولة.

ومن اقتصاد المساعدات إلى اقتصاد البناء.

ومن تعدد الأجهزة والسلطات إلى مؤسسة وطنية واحدة.

ومن الفصائل التي تتنافس على فلسطين إلى فلسطين التي تحتوي جميع فصائلها.

عندها يصبح السؤال عن دحلان مختلفًا.

ليس: هل يعود إلى غزة؟

ولا: هل يصبح رئيسًا؟

ولا: هل ينتصر في صراعه القديم داخل فتح؟

بل: هل يستطيع أن يساعد على صناعة تسوية فلسطينية داخلية تسبق أي تسوية مع الخارج؟

لأن السلام الحقيقي لا يبدأ بين الفلسطيني والإسرائيلي فقط.

يبدأ أولًا عندما يتوقف الفلسطيني عن اعتبار الفلسطيني الآخر عدوًا يجب إقصاؤه.

وهذا ما يجعل تجربة دحلان مع حماس ذات معنى خاص.

فمن عرف الحرب معها ثم جلس إليها قادر، نظريًا على الأقل، على فهم أن السياسة ليست استمرارًا للحرب بوسائل أخرى فقط، بل قد تكون أيضًا إنهاءً للحرب عندما تفشل الحرب في تحقيق غايتها.

وفلسطين اليوم أمام لحظة لا تحتمل مزيدًا من التجارب العبثية.

لقد دفع الفلسطينيون أكثر مما ينبغي من الدم.

وأضاعوا أكثر مما ينبغي من الزمن.

واستهلكت الصراعات الداخلية أكثر مما ينبغي من الطاقات.

وأصبح من حق الطفل الفلسطيني أن يسمع للمرة الأولى من قيادته مشروعًا للحياة، لا بيانًا جديدًا عن الموت.

لهذا يمكن أن يكون محمد دحلان فرصة حقيقية.

ليس لأنه بلا أخطاء.

بل لأنه مرّ بالأخطاء والصدامات والهزائم والمنافي، ثم وصل إلى المرحلة التي قد يفهم فيها أن أعظم انتصار سياسي ليس أن يهزم الإنسان خصومه، وإنما أن يجعل وجودهم جزءًا من الحل.

فلسطين لا تحتاج اليوم إلى زعيم جديد يضيف اسمه إلى سلسلة الزعامات.

إنها تحتاج إلى رجل يساعدها على الخروج من زمن الزعيم إلى زمن الدولة.

وإذا استطاع محمد دحلان أن يجعل من شبكة علاقاته، وتجربته، وصلاته بالفصائل والعواصم، وحضوره في غزة، رافعة لمشروع وطني جامع؛ وإذا وضع الانتخابات والمؤسسات والشراكة فوق الانتقام الشخصي؛ وإذا جعل إعادة إعمار الإنسان الفلسطيني قبل الحجر مركز مشروعه؛ وإذا نجح في أن يقول لفتح وحماس والجهاد واليسار والمستقلين إن فلسطين تتسع للجميع، ولكنها لا يمكن أن تكون ملكًا لأحد، فإنه سيكون قد قدم للقضية ما هو أكبر من الوصول إلى منصب.

سيكون قد ساهم في إنهاء مرحلة كاملة من تاريخها.

والفلسطينيون، بعد كل ما مر بهم، لا يحتاجون إلى من يَعِدهم بانتصار أسطوري جديد.

يحتاجون إلى من يستطيع أن يصنع لهم وطنًا طبيعيًا:

وطنًا فيه دولة وقانون.

وفيه انتخابات لا توريث.

وفيه مقاومة للظلم لا تجارة بالدم.

وفيه اختلاف بلا اقتتال.

وفيه علاقات عربية ودولية تخدم فلسطين لا تستخدمها.

وفيه شاب فلسطيني يستطيع أن يحلم بمستقبله من دون أن يشعر أن حلمه خيانة للقضية.

عند هذه النقطة تحديدًا يمكن القول إن محمد دحلان لا يمثل مجرد احتمال لخلافة القيادة الفلسطينية الحالية.

إنه يمثل، إذا أحسن قراءة اللحظة، احتمالًا لخلافة مرحلة كاملة من العجز الفلسطيني.

ومهمته التاريخية، إن أرادها، ليست أن يعود منتصرًا من المنفى، بل أن يساعد فلسطين نفسها على العودة من منفَاها الطويل داخل الانقسام.