حين تلد الحرب والفوضى مشاهيرها
نشر بتاريخ: 2026/08/25 (آخر تحديث: 2026/08/25 الساعة: 18:08)

ليست مخلفات الحرب ركاما من الحجارة، ولا بيوتا مهدّمة، ولا شوارع فقدت ملامحها فقط؛ فالحرب تترك وراءها مخلفات أخرى أقل وضوحاَ، لكنها أشد تأثيراً في المجتمع ومعاييره. ومن بين هذه المخلفات بروز المهابيل والمخاليل وشرائح ما كان لها أن تتصدر المشهد لولا الفوضى التي خلّفتها الحرب.

في أجواء الاضطراب، تتغير معايير الحضور والظهور، فيتقدم أصحاب الصوت العالي، ويبرز من يقدّمون أنفسهم بوصفهم مبادرين، ويتحول بعضهم إلى مشاهير بين ليلة وضحاها. أما أصحاب المبالغة والادعاء، فيجدون في الفوضى بيئة مثالية لتضخيم أدوارهم، وصناعة بطولات وهمية، وبناء صورة لا تعكس بالضرورة حقيقة ما قدموه.

ولا يمكن تعميم هذا الحكم على جميع المبادرين؛ فهناك مبادرون حقيقيون حملوا هموم الناس، وعملوا بإخلاص، وقدموا ما يستطيعون دون انتظار شهرة أو مقابل. هؤلاء يستحقون التقدير والاحترام. لكن المشكلة تكمن في بعض من ارتدوا ثوب المبادرة، بينما كانت أخلاقهم وسلوكياتهم أبعد ما تكون عن قيم المبادرة الحقيقية، فاتخذوا من الفوضى وسيلة للظهور، ومن حاجة الناس سلّماً للصعود، ومن معاناة المجتمع مادة لصناعة الشهرة.

المشكلة ليست في أن يظهر أشخاص جدد، ولا في أن يبادر أحد لخدمة مجتمعه؛ فالمجتمعات في أوقات الأزمات تحتاج إلى المبادرة والعمل. المشكلة تبدأ عندما تتحول الفوضى إلى فرصة للانتهازي، والشهرة إلى غاية، والادعاء إلى وسيلة، ويصبح معيار النجاح هو حجم الضجيج الذي يصنعه الشخص، لا حجم الأثر الذي يتركه في حياة الناس.

الحرب تعيد ترتيب الكثير من المواقع وموازين القوة والتأثير، وقد تمنح بعض الأشخاص مساحة لم تكن متاحة لهم في الظروف الطبيعية. لكن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء آثارها الاجتماعية؛ فبعد أن تهدأ أصوات القصف، تبدأ معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة استعادة المعايير، وفرز الحقيقة من الادعاء، وتمييز من خدم الناس فعلًا ممن جعل من معاناتهم منصة لصناعة مجده الشخصي.

إن إعادة بناء المجتمع لا تعني إعمار البيوت والطرقات والمؤسسات فقط، بل تعني أيضًا إعادة الاعتبار إلى قيمة العمل الحقيقي، والصدق، والكفاءة، والمسؤولية. فالمجتمعات التي أنهكتها الحرب لا تحتاج إلى مزيد من الأبطال المصنوعين بالضجيج، بل تحتاج إلى أشخاص يعملون بصمت، ويتركون أفعالهم تتحدث عنهم.

بعد هذه الحرب المجنونة، ستتساقط الأقنعة، وستظهر الوجوه على حقيقتها؛ وسيكتشف الناس من وقف إلى جانبهم في أصعب أيامهم، ومن جعل من مآسيهم وسيلة لبناء مجده الشخصي. فالتاريخ لا يحفظ الضجيج طويلا، ولا تمنح الشهرة أصحابها حصانة من ذاكرة الناس.

وعندما تنتهي الحرب، سيبقى الوطن، وسيبقى المواطن، وستنكشف حسابات كثيرة. عندها ستظهر حقيقة أولئك الذين أنهكوا المواطن والوطن، وأصبحوا في أثرهم الاجتماعي والأخلاقي عباً لا يقل قسوة عن آثار الاحتلال الإسرائيلي.

فالحرب قد تؤجل كشف الحقيقة، لكنها لا تلغيها؛ والأقنعة مهما طال بقاؤها، لا بد أن تسقط.