هناك إدراك فلسطيني متعاظم لأهمية الوحدة الوطنية فما حصل للشعب الفلسطيني منذ انقلاب حركة حماس على السلطة الوطنية العام 2007، وحتى اليوم كان بدرجة كبيرة نتيجة للانقسام والخلافات الداخلية التي قادت إلى مغامرة «حماس» الكارثية في هجوم السابع من أكتوبر وما قاد إليه من جرائم إسرائيلية وصلت إلى حد الإبادة الجماعية، وإلى ازدياد إرهاب المستوطنين وإجرام جيش الاحتلال في الضفة الغربية. وهو ما تم تحت غطاء حرب غزة واستغلالاً للظروف التي نجمت عنها. ولو كانت هناك سلطة وطنية واحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة لما لجأت «حماس» لهذه الخطوة الانفرادية المأساوية. ولما عاش قطاع غزة تحت حصار ظالم لما يزيد على 16 عاماً قبل الحرب الإبادية. ولولا الانقلاب لكان لدينا مجلس تشريعي وانتخابات دورية ولكانت القضية الفلسطينية في وضع افضل بكثير على كل المستويات.
للأسف، خطة العشرين بنداً التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي تحولت لقرار مجلس الأمن 2803 هي سبب رئيس في الحديث الذي نشهده الآن حول الوحدة الوطنية وهو حديث متأخر كثيراً. ولأن «حماس» مضطرة للتخلي عن حكم غزة وعن سلاحها في القطاع، برزت فكرة تحولها إلى حزب سياسي ومشاركتها في الانتخابات تحت غلاف الوحدة الوطنية، التي هي وحدة اضطرارية. صحيح أن الوحدة الوطنية مطلوبة وهي حاجة ملحة للشعب الفلسطيني على أمل تطبيق خطة ترامب وتهيئة الظروف لوحدة شقي الوطن وربما الذهاب نحو عملية سياسية عندما تنضج الظروف. ولعل الانتخابات الفلسطينية العامة التي تجري أيضاً اضطراراً بسبب فرضها دولياً على السلطة الوطنية كنوع من الإصلاح المطلوب لكي يكون للسلطة دور في المستقبل، ولكي تساهم في حلحلة الأمور في الساحة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً، تكون مقدمة لوحدة النظام السياسي الفلسطيني وإنهاء حقبة الانقسام السوداء في تاريخ شعبنا.
اللقاءات الفصائلية وبحث موضوع تشكيل قائمة من عدة قوى منها تيار الإصلاح الديمقراطي في «فتح» وحركة حماس وبعض فصائل اليسار. وتسريب هذا الخيار أحدث حالة جدل كبيرة في الساحة الفلسطينية وخاصة لدى المحسوبين على حركة فتح. ففي حين يرى البعض أن مسألة الوحدة قيمة عليا وتشكيل القائمة الموحدة يعبر عن هذه الوحدة. يرى البعض الآخر أن الذهاب في قائمة مع «حماس» هو نوع من تبرئة الحركة من المسؤولية عن هجوم السابع من أكتوبر وما تبعه من حرب إبادة تسبب فيها.
في كل الأحوال، هذا جدل صحي. فموضوع الوحدة الوطنية لا يرتبط بالضرورة بتشكيل قائمة موحدة. ومن باب أولى، من المفروض أن تتوحد حركة فتح، وتدخل الانتخابات بقائمة موحدة تضم كل الفتحاويين من التيار المركزي وتيار دحلان والقدوة ومروان والغاضبين على نتائج المؤتمر الحركي الثامن. فتشكيل قائمة موحدة و»فتح» خارجها يؤثر على تمثيل «فتح»، وربما هذا ما دفع الحركة لإرسال وفد يتحاور مع «تيار الإصلاح» من أجل توحيد الحركة.
واللقاء الذي عقد في مصر برعاية الأشقاء المصريين بين وفد «فتح» الذي ضم حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية للحركة ونائب الرئيس وعضو اللجنة المركزية ماجد فرج ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح، ووفد من التيار برئاسة سمير المشهراوي، ربما يكون مقدمة لتوحيد الحركة. حتى الآن لم يتم الاتفاق على خارطة طريق واضحة بانتظار قرارات الرئيس أبو مازن، ولكن هناك شعور بأهمية الوحدة الداخلية في هذه المرحلة والتي أصبحت مسألة مصيرية تتعلق بمستقبل «فتح» والسلطة.
في الواقع، لا تلغي الوحدة الوطنية وجود قوائم مختلفة، بل هذا أمر صحي لجعل المواطن يختار بشكل أدق وأصوب. فلو شكلت حركة فتح قائمة و»حماس» قائمة وفصائل اليسار قائمة فهذا يمنح المواطن الفرصة لاختيار برامج أكثر وضوحاً. والقوائم الموحدة التي تختلط فيها الألوان السياسية والأيديولوجية تغطي على النواقص والفشل لدى البعض، ولا تسمح بالمحاسبة على الإخفاقات والتقصير وحتى على التسبب بكوارث. ويكفي أن يتفق الجميع على مبدأ الشراكة السياسية من خلال الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. فهذا يعبر عن تطلع أكثر عمقاً للوحدة الوطنية القائمة على برنامج الحد الأدنى الوطني في ظل اختلافات وتباينات حول الكثير من الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
نحن بحاجة ماسة إلى تعزيز ثقافة الديمقراطية والتنافس، ومنح الشعب الفرصة الكافية ليختار ويقرر ماذا يريد. ويجب أن تنتهي شعارات من قبيل «الإجماع الوطني» أو الثوابت أو ما شابه. وإذا كان الفلسطينيون جميعاً يتفقون على أهمية ممارسة الحقوق الوطنية في تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة المستقلة إلا أنهم يختلفون حول تفسير كل بند وكل تفصيل من هذه الأمور. وهذا شيء طبيعي، فنحن شعب مثل كل الشعوب فيه تعددية ومكون من مجموعات مختلفة سياسياً واجتماعياً وفكرياً. ويجب أن يمارس هذا التنوع والاختلاف بصورة حضارية وديمقراطية. ولنذهب جميعاً لانتخابات عامة بقوائم مختلفة وبرامج ومرشحين مختلفين، فهذا لا يمس بالوحدة الوطنية بل يعززها ويرسخها من خلال حق الاقتراع والاختيار الطوعي الحر على قاعدة الحق في الاختلاف وحرية التعبير والممارسة الديمقراطية.