توتر جديد بين اليونان وتركيا.. وباحث يحذر أثينا من تغير موازين النفوذ
نشر بتاريخ: 2026/08/30 (آخر تحديث: 2026/08/30 الساعة: 17:40)

أثينا - تتجه العلاقات بين اليونان وتركيا مجددًا نحو مرحلة من التوتر، مع تراجع أجواء التهدئة التي سادت بين البلدين منذ توقيع "إعلان أثينا" عام 2023، بالتزامن مع عودة الخلافات بشأن الحدود والمناطق البحرية في بحر إيجة وشرق المتوسط إلى الواجهة.

ونقلت صحيفة "معاريف" عن قسطنطينوس فيليس، الأستاذ المشارك في الكلية الأميركية في اليونان ومدير معهد الشؤون العالمية، قوله إن فترة الهدوء التي عاشتها العلاقات بين أثينا وأنقرة لم تؤدِ إلى معالجة الملفات الخلافية الأساسية، بل استغلها الطرفان في تعزيز قدراتهما، ما أبقى حالة الشك المتبادل قائمة، خصوصًا في ظل غياب إطار مؤسسي دائم للحوار.

وأوضح فيليس، في مقال نشره موقع "إيكاثيميريني" اليوناني، أن التوتر عاد للتصاعد بعدما بدأت اليونان تطبيق ما تعتبره حقوقًا مكفولة لها بموجب قانون البحار، بينما رأت تركيا في هذه الخطوات سببًا للتأكيد مجددًا على خلافاتها بشأن ما تسميه "المناطق الرمادية" في بحر إيجة، إلى جانب تمسكها بمفهوم "الوطن الأزرق".

وأضاف أن أنقرة وسعت لاحقًا نطاق مناطقها البحرية المحمية إلى ما يتجاوز مياهها الإقليمية، معتبرًا أن هذه الخطوة أسهمت في زيادة التوتر بين البلدين.

ويرى فيليس أن التقارب المتنامي بين اليونان وقبرص وإسرائيل يمثل عاملًا آخر يدفع تركيا إلى التشدد، في ظل اعتبار أنقرة هذا التعاون موجّهًا ضد مصالحها.

كما اعتبر أن الخلاف المتصاعد بين تركيا وإسرائيل لا يمكن اختزاله في التنافس الشخصي بين القيادات أو الحسابات الانتخابية، وإنما يعكس خلافًا استراتيجيًا أعمق، مشيرًا إلى أن قطاعات من النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها "إيران الجديدة" ومنافسًا إقليميًا يمكن أن يشكل تحديًا أمنيًا.

وفي ملف الطاقة، قال فيليس إن أنقرة تراقب مشاركة شركة "ميريديام" الفرنسية في مشروع للربط الكهربائي البحري بالمنطقة، متوقعًا أن تنعكس التطورات المحيطة بالمشروع على قضايا ترسيم الحدود البحرية وأعمال مسح قاع البحر.

علاقة أردوغان بترامب تثير قلق أثينا

ويضع فيليس العلاقة المباشرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب ضمن أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى اليونان.

وأوضح أن أردوغان يتمتع بإمكانية اتصال مباشرة بترامب، بما يمنحه فرصة أكبر لعرض الموقف التركي والتأثير في نظرة الرئيس الأميركي إلى الملفات الخلافية، معتبرًا أن ذلك ظهر في مواقف واشنطن الأخيرة المتعلقة بالتوتر بين تركيا وإسرائيل.

وحذر من أن اندلاع أزمة جديدة بين أنقرة وأثينا قد يمنح أردوغان مساحة لتقديم التحركات التركية باعتبارها ردًا على إجراءات يونانية يعتبرها انتهاكًا للحقوق السيادية لبلاده، بينما لا تمتلك اليونان، بحسب تقديره، مستوى النفوذ نفسه لدى البيت الأبيض.

كما يرى أن أثينا لا تستطيع التعويل على إسرائيل كما فعلت في السابق، في ظل الأزمات السياسية التي تواجهها تل أبيب وما يصفه بالعزلة الدولية المتزايدة، ما قد يدفع إسرائيل إلى تركيز قسم أكبر من مواردها وقدراتها الدبلوماسية على أزماتها الداخلية والخارجية.

مقترحات يونانية لرفع كلفة التحركات التركية

ودعا فيليس اليونان إلى تكثيف تحركها داخل الاتحاد الأوروبي للحصول على دعم لموقفها القائل إن التحديات التي تواجه الأمن الأوروبي لا ترتبط بروسيا وحدها، مع إبقاء خيار فرض عقوبات أوروبية على تركيا مطروحًا، والعمل على إنشاء إطار مؤسسي جديد للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة.

وعلى المستوى العملي، اقترح توسيع اليونان نطاق مياهها الإقليمية جنوب جزيرة كريت وفي المناطق التي جرى فيها جزئيًا ترسيم الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة مع مصر، معتبرًا أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تزيد كلفة أي تحرك تركي مستقبلي.

كما دعا إلى تعزيز قدرات خفر السواحل اليوناني وتشديد الرقابة على الحدود البحرية، بالتوازي مع توسيع الحضور اليوناني في منطقة البلقان وتطوير علاقاتها مع الدول العربية والهند.

وخلص الباحث إلى أن الخلاف بين اليونان وتركيا لم يعد مجرد جولة توتر عابرة، بل بات يتطلب من أثينا الاستعداد لواقع إقليمي جديد تتحرك فيه أنقرة بقدر أكبر من الثقة، بينما تصبح قدرة إسرائيل على تقديم الدعم أقل مما كانت عليه، ويواصل أردوغان الاستفادة من علاقته المباشرة بالإدارة الأميركية.