عن علاقة تبادلية المنفعة والحاجة
نشر بتاريخ: 2026/09/02 (آخر تحديث: 2026/09/02 الساعة: 12:14)

بين الإعلام والإرهاب علاقة تبادلية المنفعة والحاجة؛ فأي جماعة تمارس الإرهاب تحتاج الإعلام، خاصة إذا أرادت توصيل رسالتها بأسرع وأكفأ طريقة، وحتى تعمّم الخوف وتنشر الذعر، ولتثبيت سيطرتها في أماكن تواجدها، وردع خصومها وأعدائها. أما وسائل الإعلام فتسعى للاستفادة من أجواء القلق والاضطراب التي تنشأ عن الهجمات الإرهابية. وفي لعبة تبادل المصالح هذه يحصل الإرهابيون على دعاية مجانية، ويستفيد الإعلام مالياً.

التداخل بين ما هو سياسي وما هو إعلامي ليس بالأمر الجديد، لكنه في قطر أشد وضوحاً، وقد بات سمة «الجزيرة» والظروف التي أنجبتها ومصادر تمويلها ودورها الوظيفي. حيث منح التوظيف الذكي والمدروس للإعلام دولة قطر قوة فعالة مكّنها من لعب أدوار أكبر بكثير من حجمها الطبيعي، وحققت عبر قناتها أهدافاً إستراتيجية لم تكن لتقدر على تحقيقها بالسياسة.

ومع تولى وضاح خنفر إدارة «الجزيرة»، توضح وجهها الإخواني أكثر، فكرياً وثقافياً وتحريرياً، حتى أن أغلب كوادرها ينتمون إلى جماعة الإخوان.

من الأمور المثيرة للانتباه ومنذ وقت مبكر علاقة «الجزيرة» المريبة مع تنظيم القاعدة، وقدرة مراسليها على الوصول إلى أماكن التنظيم والتحدث مع قياداته، الأمر الذي استعصى على بقية القنوات الإعلامية، وبثها تسجيلات للظواهري وبن لادن، الأمر الذي جعل البعض يتهمونها أنها تقدم دعماً خفياً للإرهاب.

لفترة طويلة حاولت «الجزيرة» إظهار بن لادن بطلاً، ودأبت على ترويج مقتطفات من خطاباته وهو يردد: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وظلت تضخم أخبار «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وتغطي عملياتهم التفجيرية في السعودية، وتصف بن لادن بالمجاهد العالمي، وقد استضاف ياسر أبو هلالة منظّر القاعدة أبو محمد المقدسي ملهم تفجيرات الرياض لمنحه الفرصة لتبرير التفجيرات، وقدمه على أنه صاحب فكر معتدل! واستمرت كذلك حتى انتقال القوات الأميركية من السعودية إلى قاعدة العيديد في قطر، بعد ذلك لم نعد نسمع أخبار «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، ولا المطالبة بخروج القوات الأميركية، بل إن «الجزيرة» أنتجت فيلماً اسمه اللعب بالنار، قالت فيه: إن بن لادن و»القاعدة» صناعة أميركية سعودية مشتركة.

وظلت «الجزيرة» تلمّع القيادات الإخوانية أو المرتبطة بالجماعات الجهادية كما حدث في وصفها للزرقاوي كبطلٍ للمقاومة، وحامٍ للسُنّة، وفي تغطيتها لمقتله (2006) خصصت موجة مفتوحة تصاحبها موسيقى حزينة، كما لو أن الأمة فقدت حينها قائداً عظيماً!

وحينما استولت «حماس» على قطاع غزة (2007)، تحولت «الجزيرة» إلى بوق لسلطة «حماس» تغطى وتعظّم كل ما تقوم به. وفي (2013) عرضت فيديو ليوسف القرضاوي، يحرض فيه على قتل المصريين بعد خروجهم على محمد مرسى لعزله.

من اللافت لأي مراقب أن «الجزيرة» تتجنب استخدام مصطلح إرهابي، في تغطيتها للعمليات التفجيرية الموجهة ضد مدنيين، وتستخدم وصف عناصر مسلحة، أو معارضة، أو ثوار.. كما حدث مثلاً في هجوم «داعش» على معسكر للجيش المصري في سيناء، وعندما تقدم شخصيات متهمة بالإرهاب فإنها تعرف عليهم بأوصاف مثل ناشط، قيادي.

ولمراسلي «الجزيرة» أدوار أخرى تتجاوز كونهم صحافيين، فهم ينشطون في مناطق الصراع ويتحركون بحرية في معاقل «طالبان» و»داعش» و»القاعدة» و»النصرة»، واللافت أن تلك الجماعات لا تعتبرهم أشخاصاً خطرين عليها، بل على العكس، تختارهم لبث بياناتها وتسريب المشاهد الحصرية معهم.

وقد واجه بعض مراسلي «الجزيرة» تهم دعم الإرهاب، منهم تيسير علوني، وسامي الحاج، ومحمود حسين، وأحمد زيداني.

مراسل «الجزيرة» الأشهر أحمد منصور لا يخفي علاقته بالإخوان، فقد بدأ مشواره الصحافي في مجلة «المجتمع»، الناطقة باسم «الإخوان» في الكويت، وعمل مراسلاً للمجلة في أفغانستان أثناء الحرب الأهلية، ومراسلاً لمجلة الجهاد، المتحدثة باسم «مكتب خدمات المجاهدين» الذي أسسه في الثمانينيات كل من عبد الله عزام وبن لادن. وفي كتبه يصف المسلحين الأفغان بالمجاهدين، ويبدي إعجابه بهم.

حين التقى أحمد منصور مع الجولاني (أحمد الشرع) في أيار 2015، وصفه بالقيادي، وامتدح انتصارات جبهة النصرة، واستنكر تصنيفها على أنها إرهابية، ولم ينسَ شكر الجولاني لأنه رفض مقابلة عشرات الصحافيين، وقبِل فقط بمقابلته. لم يحاول منصور تفنيد أخطاء الجبهة، أو طرح الأسئلة التي يتناقلها الناس. بل ظهر موافقاً على كل ما يقوله الجولاني، ولم يعترض على النزعة الطائفية في كلامه، فبينما كان الجولاني يتحدّث عن «ضرورة اعتراف الدروز بأخطائهم العقائدية، وإشراكهم بالله، وأن عليهم التوبة وإصلاح عقيدتهم»، كان منصور يتحدّث عن حماية جبهة النصرة للدروز والمسيحيين، قائلاً: «تفاجأت وأنا أمشي في بعض المناطق المحررة عن وجود قرى درزية ومسيحية أنتم من يحميها».

كان همّ منصور ردّ التهم الموجهة ضد الجبهة، حتى قبل أن يتكلم الجولاني، قائلاً: «أنتم في جبهة النصرة لم تفرضوا شيئاً على النصارى، ولم تأخذوا النساء سبايا كما يروّج الإعلام الغربي»، متجاهلاً ما قاله الجولاني عن إجبار النصارى المقتدرين على دفع الجزية عند إقامة حكم إسلامي في المنطقة.

لم تكن أسئلة منصور كما اعتاد طرحها على ضيوفه، فجاءت سلسة ناعمة، بل إنه كان يملي على الجولاني ما يقول، مثلاً يسأل منصور: أنتم في جبهة النصرة لم تعتدوا على الكنائس ولا على القرى النصرانية؟ فيجيبه: نعم، ويسترسل دون مقاطعة، ثم يسأله: أنتم لم تعتدوا على القرى الشيعية؟ فيجيبه: نعم، وهكذا، وبشكل واضح كان يعطيه مساحة كافية لتبييض صفحته وتلميع صورته والترويج لأفكاره.

وعندما كان يتباكى على ضحايا القصف الأميركي في الفالوجة تناسى أن الطائرات القاصفة إنما كانت تقلع بالقرب من مكتبه في الدوحة.

يمكن تفهم حاجة الصحافي في الاهتمام بالعمليات الإرهابية، باعتبارها سبقاً صحافياً، ومادة تستحق الاهتمام. ومقابلة قيادات التنظيمات المسلحة لمنحهم الحق في التعبير عن آرائهم، وحق الجمهور في معرفة أفكارهم، المشكلة في عدم خلق توازن بين هذه العناصر. ومشكلة «الجزيرة» انحيازها المكشوف للإخوان، وفي غياب الموضوعية، وفي نوعية الرسالة السياسية التي تريد إيصالها للناس، وفي الترويج لأفكار التطرف، وعمل دعاية للجماعات الإرهابية.