سورية القديمة في حياة السوريين اليوم؟
نشر بتاريخ: 2026/09/07 (آخر تحديث: 2026/09/08 الساعة: 00:20)

في صباحٍ سوري عادي، قد تستيقظ أمٌّ لتضع إبريق القهوة على النار، فيما تأتي رائحة الزعتر من المطبخ، ويخرج الأب إلى عمله، ويجلس الجد في زاويته المعتادة.

لا يبدو في المشهد شيء استثنائي.

لكن لو توقفنا قليلًا، وسألنا أنفسنا: كم من هذه التفاصيل عمره أكبر مما نعتقد؟

قد نكتشف أن سورية القديمة لم تختفِ تمامًا.

ربما غادرت بعض الحجارة، وتغيّرت البيوت، واختلفت الشوارع، ودخلت الهواتف إلى كل زاوية من حياتنا، لكن أشياء أخرى بقيت صامتة، تنتقل من يد إلى يد ومن جيل إلى جيل دون أن نمنحها اسمًا كبيرًا.

بقيت في المطبخ، وفي الأغنية، وفي رائحة الصابون، وفي الحرفة، وفي طريقة استقبال الضيف.

ليست كل آثار سورية في المتاحف

عندما نقول «التراث السوري»، غالبًا ما تذهب مخيلتنا إلى المدن القديمة والآثار والقلاع.

لكن هناك نوعًا آخر من التراث لا يمكن وضعه خلف زجاج المتاحف.

إنه التراث الذي يمارسه الناس.

وتصف اليونسكو هذا الجانب ضمن التراث الثقافي غير المادي، وقد أدرجت لسورية تسعة عناصر، بينها القدود الحلبية، وصناعة العود، وصابون الغار الحلبي، والزجاج السوري التقليدي، وممارسات مرتبطة بالورد الشامي.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

لأن السؤال لم يعد:

ماذا بقي من سورية القديمة؟

بل:

من الذي ما زال يحملها؟

في قطعة صابون… عائلة كاملة

في حلب، لا تبدو قطعة صابون الغار مجرد مادة للتنظيف.

وراءها معرفة تتوارثها العائلات والحرفيون، تبدأ من الزيت وتصل إلى مراحل الطبخ والتقطيع والتجفيف.

وتشير اليونسكو إلى أن صناعة صابون الغار الحلبي تعتمد على زيت الزيتون وزيت الغار، وأن مكعبات الصابون تُختم باسم العائلة، في إشارة واضحة إلى استمرارية الحرفة والهوية العائلية. كما أن نقل هذه المعرفة يتم بصورة غير رسمية داخل الأسر، ويشارك الأطفال أحيانًا في جمع الزيتون وثمار الغار.

وهكذا تصبح قطعة الصابون أكثر من منتج.

إنها تحمل اسم عائلة، ومهنة، وذاكرة مدينة.

حين تصبح الأغنية ذاكرة مدينة

في حلب أيضًا، بقيت القدود الحلبية حاضرة.

لها ألحان ثابتة، بينما يمكن أن تتغير الكلمات بحسب المناسبة، وقد يضيف المغني كلمات مرتبطة بما يحدث حوله.

ولم تتوقف القدود عند كونها فنًا قديمًا؛ فالتراث الموسيقي استمر في المدينة، وانتقل بصورة غير رسمية بين أصحاب الخبرة والشباب، إضافة إلى حضوره في التعليم والإعلام والبرامج الثقافية.

وهنا تصبح الأغنية أشبه بأرشيف لا يحتاج إلى ورق.

جيل يغنيها، فيحفظها جيل آخر.

وقد لا يعرف الطفل الذي يسمعها اليوم كل تفاصيل تاريخها، لكنه يعرف شيئًا أهم:

أنها تشبه المكان الذي ينتمي إليه.

حرفة تكاد تختفي… لكنها لم تمت

وفي دمشق، هناك حكاية أخرى أكثر هشاشة.

الزجاج المنفوخ بالطريقة التقليدية.

هذه الحرفة أدرجتها اليونسكو عام 2023 على قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، في إشارة إلى التحديات التي تواجه استمرارها. وتقوم الحرفة التقليدية على إعادة استخدام قطع الزجاج وصهرها في أفران مصنوعة يدويًا ثم تشكيلها بمهارة الحرفي.

هنا يصبح المشهد مختلفًا.

فالحرفي لا يحافظ على «قطعة قديمة».

إنه يحافظ على طريقة عمل.

والفرق كبير.

لأن القطعة يمكن أن تحفظها خزانة.

أما المهارة، فلا يمكن أن تبقى حية إلا إذا بقي هناك إنسان يعرف كيف يفعلها، وشخص آخر مستعد لتعلّمها.

وردة تحمل ذاكرة قرية

وفي منطقة المراح، ترتبط حياة الناس بالورد الشامي.

الورد هنا ليس مجرد نبات جميل.

هناك موسم للقطاف، وفرز للورد، وشاي، وشراب، ومربيات وحلويات، وممارسات مرتبطة بالاستخدامات الطبية والغذائية والتجميلية.

وقد أدرجت اليونسكو الممارسات والحرف المرتبطة بالورد الشامي في المراح على قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2019.

في هذه الحالة، لا يكون التراث شيئًا نعود إليه في المناسبات.

إنه موسم ينتظره الناس كل عام.

ماذا عن الأشياء التي لا تحمل شهادة من اليونسكو؟

لكن هناك سؤالًا أهم.

ماذا عن الأشياء التي لم تدخل أي قائمة؟

عن الجدة التي ما زالت تحفظ وصفة لا تكتب مقاديرها لأنها «تعرفها بالعين»؟

عن الأب الذي علّم ابنه مهنة لم يتعلمها في مدرسة؟

عن الأم التي ما زالت تحضر طبقًا ورثته عن أمها؟

عن الجار الذي يدخل بيت جاره دون موعد؟

عن العائلة التي تجتمع حول مائدة واحدة في نهاية الأسبوع؟

عن الأمثال التي نرددها دون أن نسأل من أين جاءت؟

هل هذه الأشياء أقل قيمة لأنها لم تحصل على شهادة رسمية؟

بالطبع لا.

فالتراث الحقيقي لا يبدأ عندما تضعه منظمة دولية في قائمة.

يبدأ عندما يقرر الناس الاستمرار في ممارسته.

سورية القديمة ليست خلفنا تمامًا

ربما أخطأنا حين اعتقدنا أن الحداثة تعني أن نغلق باب الماضي.

فالمدينة يمكن أن تتطور، والبيت يمكن أن يتغير، والهاتف يمكن أن يصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا، بينما تبقى داخل الإنسان أشياء لا تحتاج إلى تحديث.

قد يتغير شكل المائدة، لكن تبقى فكرة اجتماع العائلة.

قد تتغير طريقة التواصل، لكن تبقى قيمة السؤال عن الغائب.

قد تختفي بعض المهن، لكن تبقى الحرفة في ذاكرة من تعلمها.

وقد تنتقل الأغنية من أسطوانة قديمة إلى هاتف ذكي، لكنها تظل قادرة على استدعاء المكان نفسه.

وهنا ربما تكمن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به.

ماذا بقي من سورية القديمة؟

بقي الكثير.

لكن ليس بالضرورة بالشكل الذي نتوقعه.

بقيت في يد الحرفي، وفي صوت المغني، وفي وصفة الجدة، وفي رائحة الصابون، وفي موسم الورد، وفي تفاصيل لا يلتفت إليها أحد لأنها أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.

والخطر الحقيقي ليس أن تتغير سورية.

فالتغيير جزء من حياة كل مجتمع.

الخطر أن تتغير الأشياء من دون أن نعرف ماذا فقدنا.

أن يستيقظ جيل كامل ذات يوم، فيجد أن بعض الكلمات لم يعد أحد يعرف معناها، وأن بعض الحرف لم يعد هناك من يتقنها، وأن أغنيات كانت تجمع الناس أصبحت مجرد تسجيلات قديمة، وأن وصفات كانت تنتقل شفهيًا لم يعد أحد يعرف كيف يصنعها.

لذلك، ربما لا تحتاج سورية اليوم إلى أن تنظر إلى الماضي بحنين فقط.

بل تحتاج إلى أن توثّقه، وتعلّمه، وتمنح أبناءها فرصة حمله إلى المستقبل.

لأن التراث ليس شيئًا نضعه خلفنا ونقول: «كان».

التراث الذي يستحق الحياة هو الذي نستطيع أن نقول عنه:

«كان… وما زال.»

وربما، في بيت سوري صغير، وفي مطبخ بسيط، وفي ورشة حرفي، أو في صوت شاب يغني أغنية قديمة، تعيش سورية التي نظن أحيانًا أنها اختفت.