الضفة الغربية في مهب الضم والتهجير: هل تتجه إسرائيل نحو حل بلا فلسطينيين؟
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 16:46)

نقلاً : مجلة الوطن العربي

تشهد الضفة الغربية هجمة استيطانية غير مسبوقة بقرار وتوجه من حكومة الاحتلال الإسرائيلي ومكونات ائتلافها الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى تنفيذ استراتيجية حسم الصراع من خلال ممارسة حرب الإبادة في قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية؛ بهدف تفريغ الأرض من سكانها، وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا في الأراضي الفلسطينية.

سُجّل ارتفاع كبير في اعتداءات المجموعات الاستيطانية المتطرفة في الأراضي الفلسطينية مثل جماعات "شبيبة التلال" وعصابات "تدفيع الثمن" والتي تنشط في تقويض مقومات وجود الشعب الفلسطيني الأعزل. فقد عاشت القرى والمخيمات والمدن الريفية الفلسطينية أكبر موجة اعتداءات برعاية وحماية مباشرة من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بل إن هذه العصابات باتت تمثل الذراع التنفيذي لجيش الاحتلال. وفي سياق متصل، برز بوضوح انخراط أفراد الجيش في طقوس تيار الصهيونية الدينية وممارساته، كما حدث جلياً في قرية قصرة المحاصرة شمال الضفة الغربية؛ وهو ما يؤشر على مدى وعمق التحولات العقائدية والأيديولوجية العميقة داخل مؤسسة الجيش الإسرائيلي

وفي السياق الميداني ذاته، مارست دولة الاحتلال سياسة التهجير القسري المنهجي في مخيمات شمال الضفة الغربية "كَمخيمات جنين، ونور شمس، وطولكرم"، والتي هُجّر منها أكثر من خمسة وأربعين ألف مواطن فلسطيني،لا تمثل هذه الممارسات عمليات عسكرية عابرة، بل تعكس توجهاً حكومياً واضحاً يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها، وتقويض بنية حق العودة باعتباره الشاهد الأبرز على نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948."

وفي مسار موازٍ للسياسات الميدانية، اتخذ الكابينت الإسرائيلي بتاريخ 2 أبريل/نيسان 2026 قراراً بالمصادقة على شرعنة أكثر من أربع وثلاثين بؤرة ومستوطنة جديدة في الضفة الغربية، ورصد ميزانية بمليارات الشواكل لتطوير بنيتها التحتية. يهدف هذا التوجه إلى ربط البؤر الاستيطانية بالتكتلات الكبرى لتسهيل التواصل الجغرافي، فضلاً عن تسريع وتيرة قضم وابتلاع عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية؛ تمهيداً لفرض السيادة الكاملة

إلى جانب ذلك، أقامت سلطات الاحتلال أكثر من ألف بوابة وحاجز عسكري على مداخل القرى والمدن الفلسطينية، والتي تُغلق وتُعزل متى شاءت، لتحول الضفة الغربية إلى سجن كبير يعيش فيه المواطن الفلسطيني في جحيم لا يُطاق؛ في إطار تطبيق سياسة العقاب الجماعي المنهجي وتنكيل يومي يستهدف تفكيك مقومات الحياة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، يتسابق أقطاب الائتلاف الحاكم ومعسكر اليمين في إسرائيل لترجمة فاشيتهم العقائدية سعياً لإرضاء قاعدتهم الانتخابية، في مجتمع بات يزحف بخطى مرعبة نحو اليمين الديني والقومي المتطرف. ولعل نقطة التحول الأساسية في هذا المسار تمثلت في إقرار الكنيست الإسرائيلي عام 2018 لقانون "قومية الدولة"، والذي أسس قانونياً لإقصاء كل من لا ينتمي للمشروع الصهيوني واليهودي. ومن هنا، تتصارع الأحزاب الإسرائيلية اليوم لتقديم النسخة الأكثر تطرفاً وعدائية ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني، بل وضد شعوب المنطقة بأسرها.

وتتعرض المناطق الفلسطينية المصنفة (جيم) –التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وفق اتفاقيات أوسلو لحملة استيطانية ضخمة تستهدف الاستيلاء الكامل على الأرض وطرد سكانها بالقوة، وهو ما يتجسد ميدانياً في قرى رام الله، ونابلس، وبيت لحم، والخليل. لا تعدو هذه الممارسات كونها تنفيذاً عملياً لمشروع "حسم الصراع"، وتقطيعاً لأوصال الجغرافيا الفلسطينية لتفتيت الوجود السكاني. بل إن هذه المخططات تشكل تطوراً خطيراً لـ "مشروع أيلون" التاريخي الذي رُمي من خلاله إلى تقطيع التجمعات الفلسطينية إلى سبعة كانتونات؛ فاليوم، تعمل لجان متخصصة داخل جيش الاحتلال على تطوير هذا المشروع ليصل بالضفة الغربية إلى 176 كانتوناً، يتم فيها حشر السكان الفلسطينيين في أصغر بقعة جغرافية ممكنة وضمن معازل منفصلة تماماً عن بعضها البعض.

وفي ذروة هذه المخططات، أعلنت حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو المصادقة على تنفيذ مشروع "E1" الاستيطاني، الذي يقضي بإقامة آلاف الوحدات السكنية لربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس المحتلة. يهدف هذا المشروع الكارثي إلى تقسيم الضفة الغربية إلى جزأين (شمالي وجنوبي)، وعزل مدينة القدس كلياً عن محيطها الفلسطيني، فضلاً عن ربط الكتلة الاستيطانية الكبرى بعمق الضفة الغربية؛ وبذلك تتقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية بالكامل، وتُقضى نهائياً أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويسعى الاحتلال من خلال فرض هذا الواقع الاستراتيجي الذي يصعب التراجع عنه إلى ترجمة رؤية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي أكد مراراً أن الهدف هو "محو فكرة الدولة الفلسطينية بالأفعال لا بالشعارات.

وأمام هذه المشاريع الاستيطانية المعلنة لا سيما إعلان وزارة الإسكان الإسرائيلية طرح عطاءات لبناء أكثر من 1200 وحدة استيطانية تصاعدت المواقف الدولية؛ إذ أصدرت ست دول أوروبية إدانات صريحة معتبرةً الخطوة انتهاكاً سافراً للقانون الدولي وتهديداً لمسار حل الدولتين، بالتوازي مع إدانة ثماني دول عربية وإسلامية. وانتقدت جمهورية مصر العربية بشدة هذه المناقصات، داعية المجتمع الدولي لوقف المخططات الرامية لترسيخ سياسة الأمر الواقع وتغيير التركيبة الديموغرافية. وفي السياق ذاته، وصف وزير الخارجية البريطاني المضي قدماً في هذه الخطط بأنه "عمل غير مقبول ومدمر"، ملوحاً بفرض عقوبات وتدابير رادعة تعبيراً عن رفض بلاده لتدمير حل الدولتين.

وفي المقابل، ورغم صدور بيان عن الخارجية الأمريكية يرفض ضم الضفة الغربية، إلا أنها اكتفت بعبارات فضفاضة حول تهديد الاستقرار دون إدانة فعلية لعطاءات المشروع. وهنا تبرز المفارقة التاريخية؛ فعندما أعلنت حكومة نتنياهو عام 2014 بدء تنفيذ مشروع "E1" تصدى الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما للخطوة بضغط جاد وحقيقي، مدعوماً بتهديدات أوروبية صارمة بوقف اتفاقيات التعاون وبرامج الشراكة، مما أجبر الاحتلال على تجميد المشروع.

غير أن الظروف الإقليمية والدولية الراهنة ما بعد السابع من أكتوبر، وانشغال الإقليم، وتشكيل الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية وتطرفاً تبدو مختلفة تماماً؛ إذ ترى هذه الحكومة أن الظروف مواتية بالكامل لتنفيذ مخططاتها. وبغياب أي تهديد حقيقي بفرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، ستمضي تل أبيب في مشاريع الحسم. ويرافق ذلك إجماع إسرائيلي (حكومة ومعارضة وجمهوراً) على رفض أي صيغة لكيان فلسطيني، تزامناً مع جهود ممنهجة لتقويض وإلغاء السلطة الفلسطينية عبر الحصار المالي، فضلاً عن حالة التداعي والانقسام الداخلي الفلسطيني التي تجعل المكونات الفلسطينية غير قادر على مواجهة استراتيجية الاستئصال والتصفية.

ولا شك أن هذه المشاريع الاستيطانية المتصاعدة في الضفة الغربية لا تمثل إجراءات عشوائية، بل هي هندسة ممنهجة تهدف إلى ترسيخ واقع بقوة الاحتلال وسردية تستهدف إقصاء وطمس الوجود الفلسطيني. تسعى هذه السياسات إلى خلق واقع جغرافي، وديموغرافي، وقانوني جديد، يحول الضفة الغربية إلى فضاء إسرائيلي بحكم الواقع، بحيث تُستأصل أي أغلبية فلسطينية متماسكة، ويتم تفكيك تواصلها الجغرافي والسكاني بشكل نهائي.

ختاماً، يتكشف بوضوح أن ما تعيشه الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل هو هندسة استراتيجية شاملة تهدف إلى إنجاز مشروع "الحسم بلا فلسطينيين". ورغم قسوة هذه المخططات وتكامل أدواتها بين الإبادة، والتهجير، والتقطيع الكانتوني، والتشريع الاستيطاني، إلا أن التاريخ يثبت أن الجغرافيا والهوية الفلسطينية أصلب من أن تُختزل في معازل أمنية، مما ينذر بأن استراتيجية الحسم هذه قد تصطدم عاجلاً أو آجلاً بانفجار لا يمكن السيطرة عليه. وهذا ما أثبته التاريخ وأكده الحاضر؛ فرغم ما تعرض له قطاع غزة من إبادة جماعية وما تشهده الضفة من تطهير عرقي، سيقطع المستقبل الشك باليقين بأن الشعب الفلسطيني سيبقى متجذراً في أرضه،