دحلان معطوفاً على أزمات نتنياهو
نشر بتاريخ: 2026/09/10 (آخر تحديث: 2026/09/10 الساعة: 19:49)

بات معلوماً أن ما يصدر عن حزب "الليكود" هو محض ثرثرة معبرة عن هواجس نتنياهو حصراً.

ذلك لأن هذا الحزب، من موقعه العنصري والمتطرف تاريخياً، يشهد حالياً، صراعاً بنيوياً، بسبب نرجسية نتنياهو الذي أجهز على هيكله المؤسسي القائم على الانتخابات الداخلية، وفَرَضَ أنموذج الزعامة الشخصية المطلقة المتمثله في شخصه. وفي العادة، تلجأ هكذا زعامات الى تعليل المشكلات والأزمات بالشخصنة ورد أسبابها إلى أسماء أفراد. استحوذ نتنياهو على صلاحيات واسعة من بينها السيطرة على قائمة الحزب لخوض الانتخابات المقبلة، وكانت الأسماء هاجسه، لا سيما عندما أطاح بنحو نصف كتلة الحزب الراهنة، واختار تعيين بدائلها، ما جعل النصف الخارج يتهمه بإضعاف المؤسسة الحزبية التقليدية. وقبل أن يطلق مزاعمه الأخيرة بعد نشر تقرير "هآرتس" أوقع في داخل "الليكود" حالة هستيرية، من خلال توزيع الاتهامات يميناً ويساراً. وبدورهم لم يتأخر المنافسون السياسيون عن توجيه العديد من الاتهامات له، حتى وصل الأمر الى الاتهام الأخطر، وهو تغليب مصالحه الشخصية على "أمن الدولة".

وهنا أصيب اليمين الصهيوني بارتباك واضح في إدارة التحالفات مع حلفائه من المتطرفين العنصريين، وأصبحت كل عقبة، لها عند نتنياهو اتهام لشخص من هؤلاء، كـ "بن غفير" و"سموتريش".

تجربة نتنياهو مع الضعوط، تجعله يأنس في نفسه القدرة على الإفلات من كل ضائقة. لكن الضغوط عليه ازدادت وتعددت خطوطها. فلديه مشكلة في طريقة "إدارة الحرب" ولديه أزمة عميقة مع "المؤسسة القضائية" ولديه مشكلة داخل "الليكود". ففي تصريح غير مسبوق، خلال اجتماع مع قادة هذا الحزب وأثناء مفاوضات محتدمة تتعلق بالانتخابات؛ لوَّح بإمكانية خوض المنافسة بقائمة مستقلة إذا لم توافقه قيادة الحزب على الآلية التي يراها في اختيار المرشحين!

كان هو، الذي اخترع استثنائياً تدبير "المقاعد المحجوزة" لأسماء في القائمة، بحيث يحق لرئيس الحزب اختيار شاغليها مباشرة، بعيداً عن الانتخابات التمهيدية، وله أن يحدد ترتيب كل منهم في القائمة. قبلها، كان له أن يقدم أسماءه المفضلة حتى الرقم 11 من القائمة، ثم أصبح يريد أن يضع خياراته حتى رقم الأربعين لتعزيز نفوذه داخل حزبه، فقوبل بالرفض وكان أول الرافضين "حاييم كاتس" رئيس مركز "الليكود" ونائبه " ديفيد بيتان". فهذان اعتبرا توسيع صلاحيات نتنياهو، من شأنه تقليص نفوذ المؤسسات الداخلية وإضعاف آلية الانتخابات التمهيدية المعتمدة منذ سنوات. وبالطبع ازدادت الأمور تعقيداً ما دعا الحزب الذي يحكم، إلى تأجيل انتخاباته التمهيدية لريثما يمكن التوصل الى تسوية. وحتى الأيام الأخيرة قبل واقعة تقرير "هآرتس" ظل "غادي آيزينكوت" رئيس الأركان الأسبق، هو الكابوس الأوحد الذي يقض ـ كشخص ـ مضجع نتنياهو. ففي مجتمع يُعلى من قدر العسكريين مجرمي الحرب، ويركز على تاريخ كل منهم؛ لن يُقاس نتنياهو بآزينكوت الذي يتحدر من أصول يهودية مغربية. فالحرب عند الثاني مهنة مباشرة، تدرج فيها على مستوى قيادة ألوية رئيسة وعمل في جميع المناطق، بينما الجندية بالنسبة لنتياهو محض خدمة عابرة!

وما أن انفجر تقرير "هآرتس" حتى أصبح في مواجهة اتهامات ترقى الى فعل الخيانة. قيل في التقرير إن نتنياهو تلقى تحذيرات وتكتم عليها، ولم يضعها في عهدة العسكريين والأمنيين. لم يركز حيال ذلك، على ذميمة الغطرسة التي تتلبسه ويعترف بفشله، عندما اعتقد أن أي فعل فلسطيني عسكري يمكن صده بكتيبة مدرعة مع الطيران، تقابل الهجوم في منتصف الطريق. فعندما وقعت 7 أكتوبر قال كمن فوجيء وهو نائم ملء جفونه "لم يوقظوني". لكن التقرير بؤكد على أن أطرافاً عربية حذرته من مغبة وقوع حدث كبير، وأول الذين حذروا ـ عن طريق آخرين ـ يحيى السنوار نفسه الذي قرر شن الهجوم. وكان السنوار، ومن بعده رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، يقرنون تحذيراتهم القديمة الجديدة من مغبة التصعيد، بنصائح تلقاها المتغطرس، بأن يعتمد حلولاً للأوضاع الفلسطينية الخانقة، وأن يكف عن القتل وان يعترف بأن لهذا الصراع فحوى سياسي.

لم يجد نتنياهو ما يرد به على التقرير سوى إنكار فحواه جملة وتفصيلاً. ومع الإنكار، ركز على النائب محمد دحلان، وكأن الحكاية كلها من صنعه. ولم يكن دحلان قد استخدم أنظمة "الرانسوم وير" لتشفير بيانات مؤسسات دولة إسرائيل، بهدف إسقاط نتنياهو. فالصحفي الاستقصائي "شلومو ألِدار" الخبير في الشأن الفلسطيني والمتقصي لتفصيلات حماس وتجربتها، والشغوف بأسرار الاتصالات، أصدر مع زميلته "روث يوفال" كتاب "المختطفون.. 843 يوماً من التخلي". وواضح من خلال العنوان، أن إدارة نتنياهو للحرب وسلوكياته في الحكم هي المستهدفة، وقد كانت "هآرتس" معنية بنشر تقرير عن فحوى الكتاب.

غير أن نتنياهو ركز على محمد دحلان الشخص، وهذا شرف للأخير. ومن الخفة أصلاً أن يفترض بأن دحلان ليس معنياً كغيره بطي صفحة نتنياهو السوداء وصفحات من يلونه في الحكم إن تصرفوا على طريقته أو كانوا يهربون من مشكلاتهم الى الحرب تلو الحرب، والشعب الفلسطيني يكون الضحية.

ولئن كان الاتهام، قد جاء في سياق الإنكار السخيف لما جاء في تقرير "هآرتس"؛ فإن دلالاته لا تجافي حقيقة موقف النائب الفلسطيني من دولة الاحتلال. فهو يتهم دحلان لكي يتقبل اليمين العنصري فكرة أن "الأعداء" من القادة الفلسطينيين، ممثلين في دحلان، يستهدفون رئيس حزبهم. فليس هناك من بين رجال السياسة والأمن في إسرائيل، أكثر من نتياهو معرفة بحقيقة دحلان. فهو الذي أفشل محاولة حكومة "الليكود" فرض اتفاق تسوية، أمني ومجحف، لقضية الشعب الفلسطيني، وكان ذلك في اجتماعات "واي ريفر 1" و"واي ريفر 2"!