هل تعيش السردينة في زمن الحيتان؟.. فلسطين في بحر المجهول
نشر بتاريخ: 2026/09/11 (آخر تحديث: 2026/09/11 الساعة: 19:03)

 

وأنا على شاطئ المواصي في خانيونس، حيث تختلط رائحة البحر برائحة الخيام، ويبدو الأفق كأنه نافذة صغيرة مفتوحة على المجهول، سمعت في الذاكرة صوتاً قديماً ينادي:

«شدّوا الهمّة يا بحرية...»

توقفت للحظة.

شعرت أن الصوت لم يعد ينادي البحارة وحدهم، بل ينادي اليوم قياداتٍ تفرقت، وانشغلت، وكلٌّ منها أمسك بشبكته، ومضى يبحث عن سمكته الخاصة، بينما بقي البحر الفلسطيني واسعاً، مضطرباً، ومحمّلاً بأسئلة الناس.

في البحر، لا يعرف الصياد ماذا تخبئ الأعماق.

يحمل شبكته، يدفع قاربه، وينظر إلى الموج، ثم يسأل قومه:

ماذا تريدون؟ بوري أم سلطعون؟

لكن البحر لا يجيب.

فالبحر لا يعطي وعوداً، والشبكة لا تعرف مسبقاً ماذا ستلتقط.

وهكذا هي فلسطين.

نقف منذ سنوات على شاطئٍ طويل من الانتظار، نتجادل حول القارب، والمجداف، والربان، ونوع السمك، بينما تتسع المسافة بيننا وبين المستقبل.

والسؤال الذي يطاردني وأنا أنظر إلى البحر:

هل نحن نعيش في بحر الأسماك الكبيرة، حيث تلتهم الحيتان الصغيرة قبل أن تمنحها فرصة أن تعيش أو تكبر؟

هل أصبح الشباب الفلسطيني مجرد غذاء للحرس القديم؟ جيلٌ يُطلب منه أن يحمل الشبكة، لكنه لا يُسمح له أن يمسك بالقارب؟ جيلٌ يُقال له دائماً: انتظر دورك، بينما يظل الدور محجوزاً لأصحاب المقاعد القديمة؟

إلى متى سنعيش في قانون البحر والغابة؛ الكبير يلتهم الصغير، والقوي يترك للضعيف فتات الموج؟

لقد غيّبت هذه القاعدة أحلاماً كثيرة، وأكلت طاقاتٍ كان يمكن أن تصنع مستقبلاً مختلفاً.

لكن البحر لا يكره السردينة لأنها صغيرة، ولا يمنح الحوت حق ابتلاعها.

إنها فقط قوانين البحر حين يغيب العدل.

ولعل المثل العربي يقولها ببساطة: «من جدّ وجد، ومن زرع حصد.»

لكن كيف يجد من مُنع من المحاولة؟ وكيف يحصد من لم يُسمح له أن يزرع؟

الصياد الحقيقي لا ينتظر المعجزة.

يرمي شبكته.

وكما قال المتنبي:

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ

وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

ربما نحن بحاجة اليوم إلى أن نستعيد ذلك الصوت القديم:

«شدّوا الهمّة يا بحرية...»

صوتاً لا ينادي القيادات وحدها، بل ينادي الشعب كله؛ أن يخرج من مقاعد المتفرجين، وأن يستعيد حقه في الإمساك بالمجداف، واختيار اتجاه القارب.

وفي المسافة بين موجتين، أتذكر فيروز وصوتها الذي ظل يحمل وعد العودة، فأفكر: ربما لا تزال فلسطين قادرة على أن تغني، رغم كل ما حدث.

لكن العودة ليست إلى المكان فقط.

نريد عودة الإنسان إلى دوره، والشاب إلى موقعه، والشعب إلى قراره، والوطن إلى وحدته.

وفي النهاية، ليست الحكاية حكاية صياد وسمكة وشبكة.

إنها حكاية إنسان فلسطيني يعيش على أرضه، ويحلم أن يعيش عليها بكرامة، ويبحث عن مساحة صغيرة من الأمل وسط بحرٍ من الدم والركام والانتظار.

فهل يسمعنا العالم العربي والغربي؟

هل يسمعون صوت الإنسان قبل أن يسمعوا أصوات القيادات؟ هل يرون الشعب قبل أن يروا خرائط السياسة ومقاعد السلطة؟

أم سيتركون هذا الشعب وحيداً، تتقاذفه أمواج الحروب والانقسام، حتى يتحول أبناؤه إلى صوانٍ ساخنة في أفران الصراع، تدور حولها القيادات بينما يحترق الجيل؟

إلى متى يبقى الكبير يلتهم الصغير؟

وإلى متى يبقى الشباب الفلسطيني مجرد أيدٍ تحمل الشباك، ولا يُسمح لها بأن تمسك بالمجداف؟

ربما آن الأوان أن يعود صوت البحارة القديم:

«شدّوا الهمّة يا بحرية...»

لكن هذه المرة، ليس لشدّ الشباك فقط، بل لشدّ الوطن كله من حافة الغرق.

فالسردينة ليست أقل حقاً في الحياة لأنها صغيرة، والشاب الفلسطيني ليس أقل حقاً في المستقبل لأنه لم يرث مقعداً ولا شبكةً ولا اسماً.

نحن لا نريد أن نكون غذاءً للحيتان، ولا وقوداً لأفران الصراع. نريد أن نعيش.

نريد بحراً لا تحكمه شريعة الغابة، وشبكةً لا تُرمى فوق أحلام الناس، وقارباً يتسع للجميع.

وعلى شاطئ المواصي، يبقى السؤال معلقاً بين الموج والسماء:

هل تسمعنا فلسطين؟ وهل يسمعنا العالم؟

أم أننا سنظل سردينات صغيرة في بحر الحيتان، حتى يأتي يوم لا نجد فيه سمكةً واحدةً تقول:

أنا أريد أن أعيش.