مشهد المطار مدبّر ولا يليق بقضية الأسرى والجواب كان حاسماً
نشر بتاريخ: 2026/10/06 (آخر تحديث: 2026/10/07 الساعة: 00:46)

ليس كل من رفع صوته صاحب حق، وليس كل من واجه مسؤولًا في مطار بطلًا. أحيانًا يكون المشهد الأكثر صخبًا هو الأقل شجاعة، لأن الشجاعة الحقيقية ليست في محاصرة مسؤول في صالة سفر، بل في مواجهة صاحب القرار مباشرة.ما جرى مع أحمد مجدلاني في مطار القاهرة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد مشادة بين مسؤول فلسطيني وأسرى محررين، ولا أن يتحول إلى مادة لتقسيم الناس بين مؤيد له ومعارض. فالسؤال الأهم هو: هل كان مجدلاني أصلًا صاحب القرار النهائي في ملف مخصصات الأسرى؟إذا لم يكن كذلك، فإن عبارته، وفق ما ظهر في المشهد، «إذا كنتم شجعانًا، اذهبوا إلى الرئيس»، يمكن قراءتها باعتبارها قاسية ، لكنها تطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: لماذا مواجهة المسؤول الموجود أمامكم وبينكم بدل التوجه إلى من يملك القرار؟الشجاعة ليست في المطار،من حق الأسرى المحررين، بل من واجبهم، الاعتراض على أي قرار يمس حقوقهم. لكن تغيير القرار لا يتم بمواجهة سلبية لمسؤول وقيادي كبير في صالة سفر أو تحويل المطار إلى منصة محاكمة. المطلوب هو تقديم المطالب إلى الجهة صاحبة الصلاحية، وطرح الحجج، والمطالبة بمراجعة السياسة.أما تحويل مجدلاني إلى «كبش فداء » لمجرد أنه كان الشخص الموجود أمامهم، فليس مساءلة سياسية، وهي موقف معيب ولا اخلاقي ولا حضاري بل تفريغ للغضب ولكن ليس في محله او مكانه. فقد أصاب في نقطة جوهرية: المسؤولية يجب أن تكون في مكانها الصحيح، لا تجعلوا من مجدلاني شماعة لكم، من السهل تحميل شخص واحد مسؤولية أزمة أكبر قد تكون منه. ومن حق الفلسطينيين انتقاد مجدلاني وغيره وتصريحاتهم مثله مثل أي مسؤول فلسطيني ايضا لكن اختزال ملف الأسرى في معركة شخصية معه يظلم القضية ويعفي أصحاب الصلاحية من المساءلة.فمجدلاني ليس السلطة كلها، ولا الرئيس، ولا الحكومة، ولا المؤسسة التي تتخذ كل القرارات. وإذا كان مسؤولًا عن جزء من الملف، فليُسأل عن هذا الجزء تحديدًا؛ أما تحميله وحده غضب سنوات من السياسات والقرارات، فليس عدلًا ولا سياسة ولا مبادىء ولا قييم، قضية الأسرى لا تبرر الفوضىلا يجوز التقليل من تضحيات الأسرى المحررين أو التعامل مع قضيتهم كملف إداري بارد. وراء كل أسير عمر مسروق وعائلة عاشت سنوات الانتظار. لكن عدالة القضية لا تحتاج إلى مشهد فوضوي معيب كي تثبت نفسها، القضية العادلة تُدافع عن نفسها بقوة واتزان، لا بمطاردة مسؤول في مطار دولة تحضنكم وتحضن قضيتكم والأسير الذي واجه السجن قادر على مواجهة القرار السياسي، لكن في المكان الذي يُصنع فيه القرار.وماذا عن مجدلاني؟ينبغي أن نكون منصفين. فقد دخل مجدلاني في مواجهة مباشرة ولم يختبئ خلف بيان أو يتهرب من المشهد مثل الكثيرين صحيح أن أسلوبه كان حادًا، وأن عبارة «إذا كنتم شجعانًا فاذهبوا إلى الرئيس» قد تُفهم بوصفها قاصية ، لكنها قد تُفهم أيضًا باعتبارها إعادة توجيه للسؤال والبوصلة نحو مركز القرار.ربما كان يقول، بصراحة غير دبلوماسية: لا تبحثوا عن الحلقة الأضعف؛ اذهبوا إلى من يملك القرار.وهذا لا يعني منحه حصانة من النقد كغيره من القيادات الفلسطينية ، بل يعني رفض جعله شماعة لملف مفتاحه الرئيسي ليس لديه، ان المشكلة في غياب المؤسسة لو كانت المؤسسات الفلسطينية تعمل بصورة طبيعية، لما احتجنا إلى هذا المشهد أصلًا. كان الأسير المحرر سيعرف أين يقدم شكواه، وكانت الجهة المعنية ستشرح القرار، وكانت آليات المساءلة واضحة، بدل أن تتحول صالة مطار دولي عربي يحترمنا إلى ساحة مواجهة.المشكلة إذن ليست في العبارة وحدها، بل في البيئة السياسية التي جعلت المواطن يطارد المسؤول، وجعلت المسؤول يحيل الناس إلى جهة أعلى، لا تحولوا القضية إلى حفلة تشهير ، الأخطر أن يتحول الفيديو إلى محاكمة شعبية لمجدلاني، ثم إلى حملة دفاع عنه، ثم إلى معركة فصائلية تضيع فيها القضية الأصلية. عندها يخسر الأسرى قضيتهم، ويتحول مجدلاني إلى كبش فداء، وبقى المسؤول الحقيقي، بعيدة عن السؤال.المطلوب ليس تحويله إلى بطل أو غير ذلك بل الإجابة عن الأسئلة الأساسية: لماذا اتُّخذ القرار؟ هل كان عادلًا؟ هل أضر بأسرى محررين؟ وهل توجد آلية شفافة لمراجعته.وأخيرًا…لا أحد يريد رؤية أسير محرر يصرخ في وجه مسؤول، ولا مسؤول يدخل في مواجهة غاضبة مع أسرى محررين. لكن السؤال الأهم ليس: من انتصر في المطار؟ بل: لماذا وصلنا إلى هذا الحد أصلًا؟هذه هي الفضيحة الحقيقية: أن يصبح مكان السفر ساحة احتجاج، وأن تتحول الهواتف إلى محاكم، وأن يصبح المسؤول الموجود أمام الناس وبين الناس عنوانًا لكل الغضب.أما مجدلاني، فأكثر ما يمكن الدفاع عنه في موقفه أنه قال، وإن بصيغة حادة: إذا كنتم تريدون تغيير القرار، فاذهبوا إلى من يملكه.قد لا تكون العبارة دبلوماسية، لكنها تفتح السؤال الذي لا يريد كثيرون مواجهته: من يملك القرار فعلًا ولماذا هو صامت، وعندما نجيب عن هذا السؤال بوضوح، لن نحتاج إلى مشادة او مشاجرة او عتاب في مطار القاهرة، ولن نحمّل الرجل الخطأ مسؤولية قرار يملكه غيره.