بعد "أكشن ترامب الفنزويلي"..نحو إدارة الثروة وليس إدارة شعار الثورة
حسن عصفور
بعد "أكشن ترامب الفنزويلي"..نحو إدارة الثروة وليس إدارة شعار الثورة
عندما أمر دونالد ترامب بخطف الرئيس الفنزويلي مادورو، ليس بكونه "فاسدا" أو "معاديا" للديمقراطية، فتلك سمات موجودة لدى حلفاء واشنطن في أكثر من منطقة، وبينها دولة الكيان، حيث بات رأس حكومتها ترى الغالبية بأنه فاسد ودكتاتور، إلى جانب دول أخرى، لكنه بحث عن الثروة التي هي أساس حساباته في الدورة الثانية، في ظل أزمة خانقة كامنة في الاقتصاد الأمريكي.
حسابات ترامب ليس سرية ولا مجهولة، وأعلنها مرارا، بأن الثروة هي الهدف ولا غيرها، هي ما يريده، ولعل تنازله بأسرع من كل الحسابات السياسية عن "مرشحته السابقة" رئيسة المعارضة ماتشادو واعتبرها "حمقاء" لا تصلح للقيادة، فيما أعلن وزير خارجيته روبيو، أن الوقت مبكر لإجراء انتخابات في فنزويلا، مؤشرات كافية تماما لتحدد مسار الفعل الأمريكي، بأنه لا يرتبط أبدا بالحريات والدمقراطية والشفافية والفساد.
الاستعراض الأمريكي، ورغم كل المحاولات لتبيانه كحدث خارق، فذلك ليس سوى جزء من إكمال مشهد عملية "إخراج" للخطف بديلا للغزو العسكري المباشر، الذي هدده به، بعدما وجد "تعاونا" من داخل البلاد، وتفهما من خارجها، خاصة دول لها مصالح استراتيجية مع فنزويلا، بعيدا عن البيانات التي غالبها كان خجولا، ومنها خجول جدا للأكشن الترامبي.
كان ملفتا جدا، قيام وزير خارجية روسيا لافروف الاتصال، بعد ساعات فقط من عملية الخطف، بنائب الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز، وليس وزير الخارجية، مكاملة وضعت إشارة أولى قد تكون "طمأنة سياسية" بحدود "الفعلة الترامبية"، وأن الغزو العسكري لن يكون، ما فتح الباب أمام تسلمها السريع للحكم، مقابل "تهدئة أمريكية" لافتة.
ذهب الكثيرون إلى اعتبار أن روسيا والصين، تنازلا عن "حليف" لهما، لكن التدقيق السياسي هو غير ذلك أبدا، فربما كان التبديل ضرورة لهما، كما لأمريكا، خاصة بعدما رفض مادورو نصائح من أقرب المقربين له الرئيس الكولومبي غستافو بيترو بالذهاب نحو انتخابات لقطع الطريق على الولايات المتحدة، لكنه لم يكترث، واستمر في "التحدي الثوري" اللغوي".
ربما جاء موقف مادورو نقطة فصل نحو البحث عن ترتيبات مختلفة، في ظل نمو "تفاهمات عالمية جديدة"، وإن لم تكن معلنة، لكن المؤشرات في محطات مختلفة تشير لها، فجاء الاستبدال الإكراهي عبر عملية "أكشن ترامبي" كمساومة مقبولة بين الثلاثي الدولي والداخل الفنزويلي.
موضوعيا، بدأ اليوم التالي لما بعد مادورو سريعا جدا، رغم الضجيج الإعلامي، عندما أعلنت الرئيسة المؤقتة رودريغيز، بأن بلادها تبحث عن العمل مع أمريكا على أجندة تعاونية تركز على التنمية المشتركة، في إطار القانون الدولي من أجل تعزيز التعايش المجتمعي المستدام، والسعي لعلاقة دولية متوازنة وقائمة على الاحترام أولوية، وهي الرسالة السياسية الأهم خلال 48 ساعة، بعدما نالت مديحا نادرا من أوساط إدارة ترامب على كيفية إدارة الاقتصاد والنفط رغم الحصار.
فنزويلا أحد أغنى دول العالم، تملك من الثروة ما يدفعها لأن تتحكم في مسار الاقتصاد العالمي، من النفط إلى المعادن، وكان لشعبها أن يعيش في "رفاهية" يتمايز بها عن شعوب أخرى، لكن ذلك لم يحدث، لأن القيادة السياسية لم تحسن إدارة علاقاتها في ظل واقع دولي متحرك، وبأن الانتخابات في أمريكا اللاتينية ليس جرما، بل حق مشروع بدلا من "القوقعة الفكرية – السياسية". ينجح اليسار هنا ويخسر هناك، ورغم ما حدث مؤخرا من فوز لأحزاب كاره للعدالة الاجتماعية، لكنها لا تمك وثيقة البقاء، ولعل البرازيل ولولا نموذجا، بعدما فقد الحكم عاد ليفوز بعد سنوات قليلة.
التطورات العالمية وأحداثها المتسارعة، لا يجب أن تغيب عند البحث عن تقييم مواقف سياسية، وليس موقف إدارة ترامب من حلف الناتو وأوروبا، ودعوته لتفكيكها، ولأول مرة يعلن رئيس أمريكي عن هدف استعماري بعد الحرب العالمية الثانية، في بلد أوروبي "الدنمارك" للسيطرة على "غرينلاند"، إلى جانب موقفه من حرب أوكرانيا التي تميل كثيرا للرواية الروسية.
درس فنزويلا الأهم مؤخرا، لليسار أولا ولكل فصائل العمل السياسي، أن إدارة مقدرات الثروة بما يخدم تطور البلاد وشعبها، هو الفعل المطلوب بديلا عن إدارة "شعارات الثورة"، التي لن تمثل حصنا واقيا لأي حاكم كان.
لا مجال للبقاء في دائرة "التحالف الاستراتيجي" دون الحديث عن "المصالح الاستراتيجية"، مبدأ بات سائدا في المنظومة العالمية منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار المنظومة الاشتراكية، ما يدفع للتفكير نحو "رنين العمل وليس رنين الكلام".