نشر بتاريخ: 2026/01/11 ( آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 12:56 )
أكرم عطا الله

قـبـيـلـة «فـتـح» ..!

نشر بتاريخ: 2026/01/11 (آخر تحديث: 2026/01/11 الساعة: 12:56)

الكوفية لم أقصد في العنوان الإساءة لفتح كحركة سياسية كانت الأكثر حضوراً لعقود طويلة، وكذلك ليس مديحاً لتلك الحركة التي اعتاد بعض أعضائها على أن يصفها بنوع من الفخر «نحن قبيلة فتح»، هكذا كانوا يقولون، لكن العنوان ربما أقرب لتفسير سسيولوجي لحركة سياسية شاء قدرها أن تتشكل في مجتمع شرقي لم يغادر وعي القبيلة رغم المحاولات، فجاء فيها العمل السياسي محملاً بهذا الإرث القبلي وسماته الاجتماعية، وشاءت الأقدار أن تتحمل تلك الحركة أو القبيلة المسؤولية الأكبر لقضية هي الأعقد أمام احتلال هو الأشد قسوة يعتبر وجوده «عودة» وليس استعماراً يسهل التعامل معه وفق النظريات الكلاسيكية والتجارب التي راكمتها الحركة الثورية على امتداد العالم.

لماذا فتح الآن؟ وهي الحركة التي بدت في مراحل تاريخية كأنها شارفت على النهايات قبل أن يعود التاريخ يستدعيها من جديد، هكذا بدا ذات مرة أثناء أوسلو وهي تصاب بأزمة الحضور والمال، وهكذا تبدو اللحظة الراهنة التي تشهد فراغاً سياسياً خلفته العملية الكبرى لحركة حماس التي حكمت على الحركة الإسلامية بالإزاحة، وحكمت على برنامجها بالعدمية، ليبدو برنامج فتح هو الأكثر واقعية بعد كل تلك التحولات التاريخية والمعارك، لكن هنا لا بد من التمييز بين برنامج فتح الواقعي وإدارة فتح الغائبة، بين سياسة فتح وأداء قيادة فتح، لتصبح تلك التناقضات بحاجة إلى حل ارتباطاً بضرورة المرحلة الصعبة، وقد أظهرت الحرب على غزة أزمة المسافة بين اللحظة السياسية والقيادة السياسية والتي لا بد لمؤتمر قادم للحركة أن يحل تلك المعادلة.

نحن أمام الطوفان الذي جرف في طريقه كل شيء بما فيه القوى في قطاع غزة التي لم يعد لديها ما تقوله من برنامج كفاحي أو سياسي، فالضربة التي تلقتها حركة حماس المنافس البديل لفتح ليس في فقدانها العناصر أو الكوادر فقد اعتادت الحركة على ذلك النزيف ومواجهته، بل كانت الضربة في فقدانها الدور الوظيفي الذي استدعاها التاريخ لأجله حين فشلت فتح في التسوية بعد كامب ديفيد ولم يبقَ سوى البرنامج الصدامي ليستدعي هياكله التي كانت تجسدها الحركة الإسلامية الفتية آنذاك.

والآن بعد أن أسدل الستار على برنامج حماس «ماذا ستقول للناس؟ هل نحرر فلسطين بالسلاح وبطوفان جديد؟»، هذا البرنامج الذي جنى بدوره على هياكل سياسية عسكرية مثل الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي، وهذا مفهوم، فالأيديولوجيا أسهل للكسر في بيئة السياسة بينما لدى فتح ما يكفي من المرونة للبقاء لذا لم يظل سواها وإلا سنشهد تبدداً للحركة الوطنية الفلسطينية بكل مكوناتها الأيديولوجية وغير الأيديولوجية.

هنا فإن اجتماع المجلس الثوري لفتح هذه المرة والذي حدد موعداً لمؤتمر الحركة منتصف أيار القادم شديد الأهمية لجهة أهمية اللحظة التي تقف فيها القضية أمام خطر شديد، وانهيار حواملها الاجتماعية والسياسية وزيادة التدخل الخارجي، لكن الأهم فيما قيل هو عودة جميع من قررت حركة فتح على غير تاريخها في لحظة تنافس عصبي لتقوم بأكبر عملية فصل في تاريخها لعدد من الكوادر والعناصر، وللمصادفة كانت حصة الغزيين فيها النصيب الأكبر دون أن تنتبه الحركة لحجم تأثير ذلك على الهوية والدور، لأن الحركة تشكلت بغزة وحملت ملامحها سيكولوجيا غزة وتلك كانت واحدة من أسرار نجاح البدايات.

لماذا هذا مهم الآن؟ الحقيقة أن اجتماعات فتح في عقودها الأخيرة لم تكن تحظى بذلك الاهتمام سواء لبروز حركة كبيرة منافسة اقتطعت غزة وأصبحت جزءا مهماً في عناوين العمل في العقود الأخيرة «من يحكم غزة يستولي على الفضاء العام»، أو لحالة الإستاتيك القبلية التي عاشتها الحركة وغياب التجديد وتقليص دور الشباب «هم في القبيلة للحرب وليس للإدارة والقرار» وغياب الشراكة داخل هيئاتها وتهميش المرأة، تماماً كصورة القبيلة، لكن القرار مهم لتكَسُّر الهياكل وانهيار الحوامل الاجتماعية وخصوصاً في منطقة كغزة تكفلت بإعادة بعث الحركة الوطنية بعد النكبة سواء لخصوصيتها الساحلية أو لكتلة اللاجئين الأكبر، فأن يتعرض مجتمع غزة منتج الحوامل السياسية والكفاحية لضربة قاصمة في عموده الفقري فإن ذلك يشكل خطراً استراتيجياً على القضية الفلسطينية.

الآن تعود غزة مرة أخرى وهي التي تكفلت بإعادة البعث بحاجة لمن يعيد بعثها من جديد بعد هذا الخراب الطويل، هكذا يتجسد مكر التاريخ وبات من الواضح أن هناك عوامل عدة تستدعي «فتح» من جديد، سواء الإقليمية كعواصم مركزية وليست هوامش كالقاهرة والرياض، أو الشارع في غزة المصاب بالحنين لعصر فتح قبل الفجيعة، وتلك عوامل يطلق عليها الماركسيون «الذاتية» أي الداخلية و»الموضوعية» أي الخارجية، وحين يتحقق الواقع ويتجسد التاريخ.

ولكن هل يمكن لفتح أن تقوم بالدور الذي يستدعيها لأجله في غزة دون تطبيق قرار الثوري؟

القرار الذي اعتبر ثورياً بكل المقاييس لأصدقاء من الذين لحق بهم قرار الفصل لأنهم بقوا فتحاويين ...هكذا هي القبائل، فالعمل السياسي لدينا ليس مرناً كما العالم الذي يتنقل فيه السياسيون بسلاسة لهياكل أخرى حين يختلفون سياسياً دون أي انتقاد، لكن لأن البنى السياسية لدينا هي ابنة ثقافة العشيرة فقد حملت كامل سماتها فابن القبيلة لا ينتمي لقبيلة أخرى حين يختلف، بقي المفصولون ينتظرون، فما بالنا وأنه لا خلاف سياسياً على برنامج فتح والذي أثبت في هذه الحرب أنه الأكثر واقعية حيث البقاء وليس التهجير.

نقلاً عن جريدة الأيام...