نشر بتاريخ: 2026/01/18 ( آخر تحديث: 2026/01/18 الساعة: 11:35 )
أحمد حسني

من الانتداب إلى الوصاية .. كيف نحول المحنة إلى منحة.

نشر بتاريخ: 2026/01/18 (آخر تحديث: 2026/01/18 الساعة: 11:35)

يمر قطاع غزة بلحظات فارقة شديدة الإلتباس، تتشابك فيها أولويات المعالجة في ظل مشهد كارثي على كافة الأصعدة، وتحديات كبرى تنتظر حلولًا خلاقة ليس أقلها موضوع السلاح، والانسحاب وفتح المعابر وبدء عمليات التعافي وصولًا لبدء إعادة الإعمار ، وفي هذا السياق، جرت ترتيبات إدارية هامة كمدخل للمرحلة الثانية في خطة الرئيس ترامب، وتشكلت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، ومجلس السلام، و المجلس التنفيذي الذي سيشكل إطارًا مرجعيًا للجنة إدارة غزة، التي ستنحصر مهامها في إعادة الحياة إلى القطاع المنكوب في مجالات الصحة والتعليم والبنى التحتية والإيواء وتنظيم الجهد الإغاثي وغيرها، كي تحدث تحولًا عمليًا من تسيير العمل الإغاثي إلى إدارة التعافي والاستقرار، بحيث تشكل بنية مؤسسية واعدة وذراعًا تنفيذيًا مهنيًا، بصلاحيات محددة وولاية واضحة، الأمر الذي يتطلب جهودًا خرافية من التخطيط والإعداد ووضع البرامج والآليات، وقدرة إدارية على تنسيق الجهود المحلية والدولية وإعادة هيكلة القطاعات الخدمية ودمج الكفاءات المهنية التخصصية وتوظيفها بشكل شفاف، وتقديم مقاربات إبداعية واعية تعزز الأمن المجتمعي وتحمي السلم الأهلي وتضبط حالة الفلتان دون الانزلاق إلى الاشتباك الداخلي أو انتهاك الحريات العامة، في ظل منظومة رقابية فاعلة، تضمن حوكمة رشيدة للآداء، وتعزز ثقة المجتمع، وتحقق الاستقرار المطلوب، لتعطى أملًا جديدًا لشعبنا وتستجيب لاحتياجاته.

الكوفية غير أن أشد المخاطر أمام اللجنة يتمثل في تعدد المرجعيات السياسية والمالية والأمنية والوظيفية التي قد تحكم عملها، مما قد يؤثر على مسارات اتخاذ القرار ويعيق تنفيذ البرامج، فالسلطة تعتبر أن من حقها الولاية على قطاع غزة وهي محقة في ذلك، لكنها غير قادرة على فرض ذلك عملياتيًا، كما أن إسرائيل ومنذ اللحظة الأولى تضع العصي في الدواليب ولا يروق لها أي كيان فلسطيني حتى لو كان غير سياسي في غزة، وستعمل على إعاقة عمل اللجنة، فهي تريد فقط استكمال مشروع الإبادة والتهجير، كما أن حماس لديها هواجس ومخاوف جمة أبرزها موضوع الموظفين والأمن وسوف تسعى إلى أخذ ضمانات بخصوصهما قبل أي تسليم لهياكلها الإدارية، ومن هنا تبرز أهمية أن تكون المرجعية حصرية ووحيدة، بحيث تفضي إلى صلاحيات تنفيذية محددة، وتصيغ مقاربات تطمئن كافة الأطراف كي تمنع ظهور كيانات موازية تعيق إنجاز المهام و تُضعف المساءلة والمحاسبة.

لقد عانى شعبنا طويلا من الوصاية والانتداب الاستعماري بداية القرن الفائت وهجر من أرضه وصودرت ممتلكاته وجرد من حقوقه، لكنه لم يستسلم وظل متشبثًا بحقه المشروع، ولعل من يستعيد ما مر به شعبنا منذ عقود يجد بأننا أمام تكرار مأساوي لنفس المسار، بحيث نرى وصاية جديدة بثوب جديد، ومخططات التهجير والتصفية حاضرة، وقضية شعبنا قد تحولت لقضية إنسانية اغاثية دون أفق سياسي، والقطاع يعاد هندسته جغرافيًا وسياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا برؤية أمريكية جديدة، لكن ورغم قسوة المشهد يبقى الأمل قائماً، فقد أثبت شعبنا عبر عقود من النكبات والعدوان المستمر، قدرته على إعادة النهوض والبناء، والتمسك بأرضه وهويته رغم كل محاولات الاقتلاع، ومرونته في اجتياز الممرات الإجبارية التي تفرض عليه، متسلحًا بقواه الكامنة وإيمانه العميق بعدالة قضيته وصدق روايته ووعيه الجمعي بأن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة ولا يُدار بالوصاية، بل يُبنى على أساس الحرية والعدالة.

إن تمكين لجنة إدارة غزة من أداء مهامها ليس خيارًا بل مسارًا إجباريًا وحيدًا، وضرورة وغطاء وطني لا يقبل التأويل، كي نضمن استمرارية الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ومياه وكهرباء وإغاثة وبنية تحتية وإزالة آثار العدوان، كما أن تمكين اللجنة يقربنا أكثر من أهدافنا المشروعة بالحرية والاستقلال كونه يشكل خطوة تنظيمية تسهم في تثبيت الاستقرار، وتهيئة الظروف للعودة الجادة إلى إيجاد حلول سياسية، فاستقرار الحياة اليومية للناس هو الأساس الذي تُبنى عليه أي خطوات سياسية حقيفية، ولا يمكن لشعب يرزح تحت وطأة الجوع والمرض والدمار أن ينخرط في مشروع وطني جاد دون توفير الحد الأدنى من احتياجاته الإنسانية والمعيشية.

لذا فإن تعطيل عمل اللجنة، أو التشكيك في شرعيتها، أو ربط تمكينها بشروط سياسية أو وظيفية أو امتيازات ومكاسب حزبية، لا يخدم سوى الاحتلال، ويضاعف من كلفة المعاناة الإنسانية. فغزة الجريحة لا تملك رفاهية الوقت، و لا تحتمل مزيدًا من الإنقسام فوق أنقاضها وخرائبها، فالمسؤولية الوطنية تقتضي من جميع الأطراف وعلى رأسها حماس، تغليب مصلحة غزة وأهلها على أي اعتبارات أخرى، والعمل الجاد على تمكين لجنة إدارة غزة من أداء دورها، فتمكين اللجنة ليس انتصارًا لطرف على آخر، ولا تكريسًا لواقع سياسي بعينه، بل هو استجابة أخلاقية ووطنية لمعاناة شعبنا، ورسالة مفادها أن الإنسان الفلسطيني وكرامته وحقه في الحياة الكريمة وترسيخ وجوده على أرضه، يجب أن يكون في صدارة الأولويات حتى نتجاوز معًا هذه الكارثة.